الانسحاب الأميركي من حرب إيران وتداعياته على توازنات الإقليم
بقلم د. ابراهيم العرب
تعيش منطقة الشرق الأوسط لحظة مفصلية مع تصاعد التوقعات بانسحاب أميركي وشيك من الحرب على إيران، في ظل غياب استراتيجية واضحة أو خطة خروج محددة المعالم. هذا الاحتمال لا يطرح سؤالًا عسكريًا فحسب، بل يفتح بابًا واسعًا أمام تحولات جيواستراتيجية عميقة قد تعيد تشكيل توازنات القوة في الإقليم لسنوات طويلة قادمة.
منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط الماضي، بدا واضحًا أن القرار الأميركي افتقر إلى تصور سياسي متكامل لما بعد الضربة الأولى. فالحروب، في أدبيات الاستراتيجية، لا تُقاس فقط بقدرتها على إضعاف الخصم، بل بمدى انسجامها مع أهداف سياسية قابلة للتحقق. غير أن الخطاب الأميركي الأخير، بمناسبة مرور شهر على الحرب، عكس ارتباكًا في تحديد الغايات النهائية، وأثار شكوكًا حقيقية بشأن وجود مسار واضح لإنهاء الصراع.
السيناريو الأكثر إثارة للقلق يتمثل في انسحاب أميركي سريع يترك إيران في موقع “الخصم المجروح”، القادر على الرد ولكن دون أفق لتسوية سياسية. والتاريخ القريب يقدّم أمثلة دالة على كلفة الانسحابات غير المحسوبة، حيث يتحول الفراغ الناتج عنها إلى مساحة لإعادة إنتاج الصراعات بدل احتوائها. وفي الحالة الإيرانية، فإن الانسحاب دون اتفاق شامل قد يعزز سردية الصمود لدى طهران، ويمنحها دافعًا إضافيًا لتوسيع نفوذها الإقليمي عبر أدوات غير تقليدية.
إن أحد أخطر أبعاد الأزمة يتمثل في إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية. فلقد أدى تعطّل الملاحة فيه إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، ما يهدد بدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود واسع النطاق. وهنا تتجاوز التداعيات حدود الشرق الأوسط لتطال الأسواق العالمية، وتضع مئات الملايين أمام أعباء معيشية متصاعدة. كما أن أمن الممرات البحرية ليس قضية إقليمية ضيقة، بل ركيزة من ركائز الاستقرار الاقتصادي الدولي.
وفي حال انسحاب واشنطن دون ضمان فتح المضيق وتأمين حرية الملاحة، فإن دول الخليج ستكون أمام معادلة أمنية جديدة شديدة الحساسية. فمن دون المظلة الردعية الأميركية، ستجد نفسها في مواجهة مباشرة مع قوة إقليمية كبيرة تمتلك أدوات ضغط عسكرية واقتصادية فعالة. وهذا الوضع قد يدفع بعض هذه الدول إلى انتهاج سياسات مزدوجة: تعزيز قدراتها الدفاعية من جهة، والانفتاح الحذر على طهران من جهة أخرى لتفادي المواجهة المباشرة.
أما على مستوى التحالفات الدولية، فإن الانسحاب المحتمل سيترك أثرًا عميقًا في صورة الولايات المتحدة كضامن أمني. فالثقة في الالتزامات الأميركية تشكل حجر الزاوية في شبكة تحالفاتها الممتدة من أوروبا إلى شرق آسيا. وإذا ترسخ الانطباع بأن واشنطن تدخل الحروب دون استراتيجية خروج، ثم تنسحب تحت ضغط الكلفة السياسية والاقتصادية، فإن ذلك سيدفع حلفاءها إلى إعادة حساباتهم، وربما إلى تنويع شراكاتهم الأمنية باتجاه قوى أخرى كالصين وروسيا.
في المقابل، لا يمكن إغفال البعد الداخلي الأميركي، فارتفاع أسعار النفط وتأثيره المباشر على المستهلك الأميركي يشكل عامل ضغط سياسي كبير على أي إدارة. ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، قد يصبح تقليص الانخراط العسكري خيارًا مغريًا لتخفيف العبء الاقتصادي، حتى وإن كان الثمن تآكل النفوذ الخارجي؛ وهنا تتجلى معضلة القوة العظمى بين ضرورات الداخل ومتطلبات القيادة العالمية.
إن الانسحاب، إن حدث، لن يكون نهاية الأزمة بل بداية مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا. فإيران، التي تعرضت لضربات لكنها لم تُهزم استراتيجيًا، قد تسعى إلى تثبيت معادلة ردع جديدة في الخليج وشرق المتوسط. فيما ستتسارع مساعي بعض القوى الإقليمية لبناء ترتيبات أمنية جديدة، سواء عبر تفاهمات ثنائية أو أطر إقليمية ناشئة.
إن الدرس الأبرز من هذه الأزمة يتمثل في أن استخدام القوة دون تصور سياسي متكامل يفضي غالبًا إلى نتائج عكسية. فالحروب ليست أحداثًا معزولة، بل عمليات مركبة تتطلب إدارة دقيقة للمخاطر والتداعيات. وفي غياب ذلك، تتحول إلى مصادر لعدم الاستقرار المزمن بدلاً من أن تكون أدوات لإعادة تشكيل التوازنات.
ولا يمكن فصل البعد الاقتصادي عن التحليل الاستراتيجي لهذه الأزمة. فإغلاق مضيق هرمز لا يمثل فقط أزمة إمداد نفطي، بل يشكل صدمة نظامية للاقتصاد العالمي المترابط. فارتفاع أسعار الطاقة بهذا الشكل الحاد يؤدي إلى تضخم تكاليف الإنتاج والنقل، ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية ويضرب القوة الشرائية للطبقات الوسطى والفقيرة في مختلف أنحاء العالم.
أما على المستوى الإقليمي، فإن الانسحاب الأميركي المحتمل سيفتح المجال أمام إعادة ترتيب موازين القوى بشكل جذري. تركيا، التي تسعى لتعزيز دورها كقوة إقليمية مستقلة، قد تجد في هذا الفراغ فرصة لتوسيع نفوذها في العراق وسوريا. وروسيا، التي حافظت على علاقات متوازنة مع معظم أطراف الصراع، قد تقدم نفسها كوسيط محايد وضامن بديل للاستقرار؛ كذلك الصين، من جهتها، ستراقب التطورات بعناية فائقة، فهي أكبر مستورد للنفط من الخليج، وأي اضطراب طويل الأمد في إمداداتها يهدد استراتيجيتها التنموية. وقد نشهد تحركًا صينيًا دبلوماسيًا أكثر نشاطًا في المنطقة، ربما عبر مبادرات وساطة أو ترتيبات أمنية جماعية تحت مظلة منظمة شنغهاي للتعاون أو مبادرة الحزام والطريق. وقد يدفع العداء لإيران إلى تسريع جهود التطبيع، أو إلى تطوير قدرات ردع ذاتية أكثر استقلالية. خصوصاً، دول مجلس التعاون الخليجي التي تقف اليوم أمام معضلة استراتيجية حادة. فهي من جهة شريك تاريخي للولايات المتحدة، ومن جهة أخرى جار جغرافي لإيران لا يمكن تجاهله أو الهروب منه. والانسحاب الأميركي، إن حدث، سيضعها أمام خيارات صعبة: إما الاستثمار بكثافة في بناء قدرات دفاعية ذاتية، أو السعي إلى تفاهمات أمنية مع طهران تضمن عدم الاستهداف المباشر.
والسعودية والإمارات، اللتان استثمرتا مليارات الدولارات في تحديث قواتهما المسلحة، قد تسرّعان من برامج التسلح وتطوير القدرات الصاروخية والجوية. لكن القدرة العسكرية وحدها لا تكفي لمواجهة استراتيجية إيرانية تعتمد على الحرب غير المتماثلة والوكلاء الإقليميين.
أما قطر، التي حافظت على علاقات عملية مع طهران، قد تقدم نموذجًا للدول الخليجية الأخرى في كيفية إدارة علاقة براغماتية مع إيران دون التخلي عن التحالفات الغربية. وعُمان، بدورها، قد تعزز دورها كوسيط إقليمي محايد، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع جميع الأطراف.
وعلى مستوى أوسع، فإن هذه الأزمة تطرح أسئلة جوهرية حول مصداقية الالتزامات الأميركية تجاه حلفائها. فإذا كانت واشنطن قادرة على الدخول في حرب ثم الانسحاب منها بسرعة تحت ضغط الكلفة السياسية والاقتصادية، فما قيمة الضمانات الأمنية التي تقدمها لحلفائها في أوروبا أو آسيا؟
أما دول أوروبا الشرقية، التي تعتمد على حلف الناتو كضامن لأمنها في مواجهة روسيا، ستشعر بقلق متزايد إذا رأت أن الولايات المتحدة تتخلى عن التزاماتها بسهولة. وهذا قد يعزز الأصوات الداعية إلى بناء قدرة دفاعية أوروبية مستقلة، ما يضعف من تماسك الحلف الأطلسي على المدى الطويل.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبرز الحاجة الملحة إلى مقاربة دبلوماسية شاملة تتجاوز المنطق العسكري الضيق. فالحل المستدام للأزمة لا يمكن أن يأتي من خلال الضربات العسكرية وحدها، بل يتطلب إطارًا سياسيًا يعالج الأسباب الجذرية للتوتر في المنطقة.
وفي هذا الإطار يجب أن يتضمن عدة عناصر: أولاً، ترتيبات أمنية إقليمية تضمن حرية الملاحة في الممرات البحرية الحيوية. ثانيًا، آليات للحد من التسلح وبناء الثقة بين دول المنطقة. ثالثًا، معالجة الملفات الخلافية الكبرى، بما في ذلك البرنامج النووي الإيراني والصراعات بالوكالة في اليمن وسوريا والعراق ولبنان.
والأمم المتحدة، رغم محدودية فعاليتها في السنوات الأخيرة، قد تلعب دورًا في توفير مظلة دبلوماسية محايدة لمثل هذه المفاوضات. والقوى الإقليمية المؤثرة كتركيا ومصر والعراق يمكن أن تساهم في بلورة تفاهمات تدريجية؛ حتى الصين وروسيا، اللتان لهما مصالح حيوية في استقرار المنطقة، ولذلك قد تكونا شريكتين في صياغة حلول وسط.
في نهاية المطاف، تقدم أزمة الحرب على إيران درسًا قاسيًا في تكلفة القرارات الاستراتيجية غير المحسوبة. فالحرب التي بدأت دون استراتيجية واضحة أو خطة خروج محددة، تحولت إلى أزمة متعددة الأبعاد تهدد الاستقرار الإقليمي والعالمي.
والانسحاب الأميركي المحتمل لن يضع حدًا للأزمة، بل قد يفتح فصلاً جديدًا من عدم الاستقرار. فإيران الجريحة والغاضبة ستسعى إلى تعزيز موقعها الإقليمي بأي ثمن. ودول الخليج ستجد نفسها في مواجهة مباشرة مع جار قوي دون غطاء أميركي كامل. أما الاقتصاد العالمي فسيعاني من أزمة طاقة قد تمتد لسنوات. والثقة في النظام الأميركي للتحالفات ستتآكل بشكل خطير.
وعليه، فإن المنطقة اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. إما أن تنجح الدبلوماسية في بناء إطار جديد للأمن الجماعي يستوعب مصالح جميع الأطراف، أو أن تنزلق المنطقة إلى دوامة من الصراعات المفتوحة والفوضى الممتدة. والخيار الثاني، للأسف، هو الأكثر احتمالاً في ظل غياب الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية لدى القوى الكبرى.
وإن ما نشهده اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل لحظة تحول قد تعيد تشكيل خريطة القوة في الشرق الأوسط للعقود القادمة. والسؤال المركزي الذي يواجه صناع القرار في واشنطن والعواصم الإقليمية هو: هل سيتعلمون من أخطاء الماضي، أم سيكررون نفس الأنماط التي أدت إلى كوارث متتالية في العراق وأفغانستان وليبيا؟ وإن الإجابة على هذا السؤال ستحدد مصير ملايين البشر في المنطقة والعالم.
د. ابراهيم العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.