التطاول المحظور على رئيس الجمهورية وضرورة الحفاظ على هيبة الدولة

11

بقلم د. ابراهيم العرب
يشكّل احترام مقام رئاسة الجمهورية إحدى الركائز الجوهرية في أي نظام دستوري ديموقراطي، ليس من باب التقديس الشخصي، بل لكون هذا الموقع يجسّد رأس الدولة، ورمز وحدتها، وحارس دستورها، والمؤتمن على انتظام عمل مؤسساتها. ومن هذا المنطلق، فإن أي نقاش قانوني أو حقوقي حول مسألة التعرّض لرئيس الجمهورية لا يمكن أن يُختزل بشعار حرية التعبير، بل يجب أن يُقارب ضمن التوازن الدقيق بين هذه الحرية من جهة، وواجب حماية النظام العام الدستوري وهيبة الدولة من جهة أخرى.
لقد دأب فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، منذ تولّيه سدّة الرئاسة، على إبداء قدرٍ عالٍ من التسامح إزاء ما يُوجَّه إليه من انتقادات في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، انطلاقاً من إيمانه بحرية الرأي، وحرصه على عدم تحويل موقع الرئاسة إلى ساحة نزاعات شخصية أو ملاحقات انتقائية. غير أنّ هذا الحرص، الذي يُحسب له، استُغل من قبل بعض الإعلاميين والناشطين لتجاوز حدود النقد المشروع، والانزلاق نحو القدح والذم، بل أحياناً إلى التهديد والتخوين، على خلفية مواقف وطنية سيادية يتخذها في إطار صلاحياته الدستورية.
إن النقد السياسي، في الفقه الدستوري والجزائي، هو حق مكفول، بل ضرورة في الأنظمة الديموقراطية. إلا أنّ هذا الحق يفقد مشروعيته متى تجاوز إطار تقييم السياسات العامة أو الأداء الوظيفي، وتحول إلى إساءة شخصية أو مساس بالكرامة المعنوية للمؤسسات الدستورية. فحرية التعبير ليست حرية اعتداء، وليست مظلة للفوضى أو لتصفية الحسابات السياسية الضيقة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر برئيس الدولة.
ويزداد الأمر خطورة عندما تمتد حملات التجني لتطال أيضاً دولة رئيس مجلس الوزراء، بما يشكّل مساساً مباشراً بانتظام السلطة التنفيذية، ويُسهم في تقويض ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها. من هنا، فإن تدخل القضاء في مثل هذه الحالات لا يُعد قمعاً للحريات، بل هو تطبيق سليم للقانون وحماية للمصلحة العامة.
لقد عالج قانون العقوبات اللبناني هذه المسألة بوضوح لا لبس فيه. إذ نصّت المادة 384 منه على معاقبة من يحقّر رئيس الدولة بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين، وهو نص يندرج ضمن الجرائم الواقعة على أمن الدولة المعنوي وهيبتها. كما أكدت المادة 209 أن العبارات المسيئة تُعد منشورة متى عُرضت في مكان عام أو وُزعت على شخص أو أكثر، وهو ما ينطبق حكماً على وسائل الإعلام التقليدية والرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي.
إن فلسفة هذه النصوص لا تهدف إلى تحصين رئيس الجمهورية من أي مساءلة، بل إلى منع الانزلاق نحو الفوضى الخطابية التي تهدد السلم الأهلي وتضرب أسس الدولة. فالمساءلة الدستورية لرئيس الجمهورية لها آلياتها الخاصة، المحددة حصراً في المادة 60 من الدستور، والتي لا تجيز ملاحقته إلا في حال الخيانة العظمى أو الإخلال بالواجبات الدستورية، ووفق إجراءات استثنائية عبر المجلس النيابي. أما خارج هذه الحالات، فلا يجوز لأي شخص أو جهة أن تنصّب نفسها قاضياً أو جلاداً في الفضاء العام.
وانطلاقاً من ذلك، فإن مسؤولية التحرك في قضايا القدح والذم بحق رئيس الجمهورية لا تقع على عاتق فخامته شخصياً، إذ جرى العرف الدستوري على أن رئيس الدولة لا يدّعي مباشرة، حفاظاً على مقام الرئاسة. بل إن الواجب القانوني والأخلاقي يفرض على النيابة العامة التمييزية أن تتحرك عفواً، باعتبار أن الجرم يمس النظام العام، وعلى وزير العدل أن يواكب هذا التحرك ضمن صلاحياته، لا بوصفه طرفاً سياسياً، بل كضامن لحسن تطبيق القانون.
كما أنه في حال كان المتعرض لرئيس الجمهورية نائباً في مجلس النواب، فإن مبدأ سيادة القانون يقتضي الطلب الفوري لرفع الحصانة البرلمانية عنه، إذ لا يجوز أن تتحول الحصانة إلى درع للإساءة أو وسيلة للإفلات من المحاسبة. والمجلس النيابي، إن كان يحترم دوره الدستوري، مطالب برفع هذه الحصانة دون تردد، تأكيداً على أن لا أحد فوق القانون.
إن الانتقائية في تحريك الدعاوى، أو الصمت حيال حملات منظمة تمس رأس الدولة، يطرح تساؤلات جدية حول معايير تطبيق العدالة، ويُضعف ثقة المواطنين بالقضاء. ففي الدول التي تحترم أنظمتها الدستورية، يُعد المساس برئيس البلاد مسألة بالغة الخطورة تستوجب تحركاً فورياً، لا اجتهاداً ظرفياً أو حسابات سياسية.
وخلاصة القول، إن حماية مقام رئاسة الجمهورية ليست نقيضاً لحرية التعبير، بل هي شرط من شروط ممارستها ضمن دولة القانون. فالنقد البنّاء مرحّب به، بل مطلوب، أما الإهانة والتجني والتخوين، فمرفوضة قانوناً وأخلاقاً. ويبقى القضاء، وحده، المرجع الصالح للفصل بين ما هو نقد مشروع وما هو جرم جزائي، على أن يمارس دوره باستقلالية وحزم، حفاظاً على هيبة الدولة، وصوناً للدستور، وضماناً لحقوق جميع اللبنانيين تحت سقف القانون.
د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.