التطاول المحظور على قائد الجيش

22

بقلم د. ابراهيم العرب
في لحظة وطنية شديدة الدقة يمرّ بها لبنان، حيث تتآكل مؤسسات الدولة تحت وطأة الانهيار الاقتصادي والتجاذبات السياسية الحادة، تتصاعد حملة منظمة تستهدف قائد الجيش العماد رودولف هيكل. وهذه الحملة، مهما اختلفت عناوينها الظاهرة، لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق سياسي أوسع يتجاوز شخص القائد ليطال المؤسسة العسكرية نفسها، باعتبارها إحدى الركائز القليلة التي ما تزال تحافظ على الحد الأدنى من تماسك الدولة واستقرارها.
فالجيش اللبناني لم يكن يوماً مجرد جهاز عسكري تقليدي، بل شكّل على الدوام مؤسسة وطنية جامعة، تعكس في بنيتها وروحها تنوّع المجتمع اللبناني وتوازناته الدقيقة. ومن هنا، فإن استهداف قيادته في هذا الظرف الحساس لا يندرج في إطار النقد السياسي المشروع بقدر ما يندرج في إطار محاولة إضعاف آخر مؤسسات الدولة القادرة على الإمساك بخيط الاستقرار.
لقد أثبت العماد رودولف هيكل، منذ توليه قيادة الجيش، أنه ينتمي إلى مدرسة عسكرية تقوم على الانضباط الصارم، والاحترافية العالية، والرؤية الوطنية الشاملة. فالرجل الذي راكم خبرة عسكرية وميدانية واسعة، يجمع بين الكفاءة المهنية والأخلاقيات الرفيعة التي طالما تميّز بها ضباط المؤسسة العسكرية اللبنانية. كما أنه يتمتع ببعد نظر استراتيجي يدرك من خلاله دقة التوازنات اللبنانية، وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية أو مغامرات عسكرية غير محسوبة العواقب.
ولعلّ ما يميز قيادة العماد هيكل هو إدراكه العميق أن وظيفة الجيش في لبنان لا تقتصر على الدفاع العسكري عن الحدود، بل تتعدى ذلك إلى حماية السلم الأهلي وصون العيش المشترك بين اللبنانيين. ففي بلدٍ شديد الحساسية مثل لبنان، حيث تتداخل الانقسامات السياسية والطائفية مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، يصبح الجيش الضامن الأخير لوحدة الكيان واستمرار الدولة. ومن هنا يمكن فهم موقف قائد الجيش الحازم في مواجهة أي محاولة لزج المؤسسة العسكرية في صراعات داخلية أو إقليمية تتجاوز قدرتها أو دورها الدستوري. فالحكمة العسكرية، كما يعبّر عنها العماد هيكل، تقوم على حماية لبنان من الانزلاق إلى مواجهات غير متكافئة، وعلى تجنيب اللبنانيين كلفة حروب مدمرة لا طاقة لهم على تحمّلها.
إن تحويل قائد الجيش إلى هدف سياسي يومي لا يضعف شخصاً بعينه، بل يضعف المؤسسة نفسها. وفي بلد انهارت فيه معظم مؤسسات الدولة – من الاقتصاد إلى الإدارة العامة – يبقى الجيش إحدى الركائز القليلة التي ما تزال تمسك بخيط الاستقرار. لذلك فإن ضرب هذه المؤسسة، أو التشكيك بقيادتها، يحمل مخاطر تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، لأنه يمسّ بآخر مؤسسة وطنية جامعة قادرة على حماية البلاد من الانهيار الكامل.
وفي هذا السياق، يكتسب موقف رئيس الجمهورية فخامة العماد جوزيف عون أهمية وطنية خاصة. فالرئيس الذي خرج من رحم المؤسسة العسكرية يدرك أكثر من غيره طبيعة الدور الذي يؤديه الجيش في حفظ استقرار لبنان. ومن هنا جاء موقفه الحازم باعتبار الجيش خطاً أحمر لا يجوز المساس به، وتحذيره الواضح من أن اهتزاز هذه المؤسسة سيعرّض الوطن بأسره للخطر.
لقد عبّر الرئيس عون بوضوح عن هذا الموقف خلال زيارته قيادة الجيش في اليرزة، حين أكد أن الجيش مؤسسة وطنية تخدم مصلحة لبنان واللبنانيين جميعاً، وأن الحملات التي تطاله لن تؤثر في أدائه أو في عزيمة ضباطه وعسكرييه. كما شدد على أنه سيقف سداً منيعاً في مواجهة أي محاولة للنيل من المؤسسة العسكرية أو من قائدها.
إن هذا الموقف الرئاسي لا يشكّل مجرد تضامن شخصي مع قائد الجيش، بل يعكس إدراكاً عميقاً لخطورة المرحلة التي يمر بها لبنان. فالبلاد تقف اليوم عند مفترق طرق حاسم، حيث يمكن لأي انزلاق غير محسوب أن يفتح الباب أمام فوضى داخلية أو حرب إقليمية مدمرة.
وفي هذا الإطار، تبدو الحكمة التي تتحلى بها قيادة الجيش اليوم عاملاً أساسياً في تجنيب لبنان الانفجار. فالتعامل مع التحديات الأمنية المعقدة يتطلب توازناً دقيقاً بين الحزم العسكري والرؤية السياسية، وهو ما يظهر بوضوح في أداء العماد رودولف هيكل الذي يضع مصلحة لبنان العليا فوق أي اعتبار آخر.
إن المرحلة الراهنة تتطلب من اللبنانيين جميعاً إدراك حقيقة بسيطة لكنها أساسية: حين يتعرض الجيش للاهتزاز، فإن الوطن بأسره يصبح مهدداً. لذلك فإن حماية المؤسسة العسكرية، ودعم قيادتها، ليست مسألة سياسية أو فئوية، بل هي مسألة تتعلق ببقاء الدولة نفسها. ومن هنا، فإن التطاول على قائد الجيش لا يمكن اعتباره مجرد سجال سياسي عابر، بل هو تطاول على مؤسسة تشكّل الضمانة الأخيرة لوحدة لبنان واستقراره. وفي زمن الانهيارات الكبرى، تبقى الحكمة الوطنية تقتضي حماية هذه المؤسسة وتعزيز ثقة اللبنانيين بها، لأنها تمثل اليوم أحد آخر الأعمدة التي يستند إليها الكيان اللبناني في مواجهة العواصف.
في المحصلة، يدرك قائد الجيش العماد رودولف هيكل أن المؤسسة العسكرية ليست كياناً منفصلاً عن الدولة، بل هي أحد أعمدتها الأساسية، ومن هنا يأتي التزامه الصارم بالشرعية الدستورية وبقرارات مجلس الوزراء باعتباره السلطة التنفيذية المخوّلة رسم السياسات العامة للدولة. غير أن هذا الالتزام لا يعني التنفيذ الميكانيكي أو المتسرّع، بل التنفيذ الحكيم الذي يراعي تعقيدات الواقع اللبناني وحساسية توازناته الدقيقة. فالمسؤولية الوطنية تفرض أن تُنفّذ القرارات بأسلوب يحفظ أمن البلاد وسلامة مجتمعها، ويصون السلم الأهلي، ويحمي في الوقت نفسه تماسك المؤسسة العسكرية ومناعتها، باعتبارها المؤسسة الجامعة التي تحتضن أبناء لبنان من مختلف المناطق والانتماءات.
وفي المقابل، يبقى الجيش اللبناني، بقيادته وضباطه وجنوده، في موقعه الطبيعي على خط الدفاع الأول عن سيادة الوطن. فالعماد هيكل، كما عُرف عنه في مسيرته العسكرية، ملتزم التزاماً ثابتاً بالتصدي للاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، والدفاع عن كل شبر من أرض لبنان، في إطار الواجب الوطني الذي أناطه الدستور بالمؤسسة العسكرية. فالجيش لم يكن يوماً جيش فئة أو طائفة، بل هو جيش الوطن بأسره، ومؤسسة جامعة تمثل كل اللبنانيين دون استثناء.
ومن هنا، فإن حماية الجيش ودعم قيادته ليستا مجرد مسألة تضامن مع مؤسسة عسكرية، بل هما دفاع عن وحدة لبنان واستقراره ومستقبله. ففي زمن الأزمات الكبرى، تبقى المؤسسة العسكرية الضامن الأصدق لوحدة الدولة، والسدّ المنيع في وجه الفتن والانقسامات، والعنوان الدائم للشرف والتضحية والوفاء للوطن.
د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.