التعديل الوزاري في لبنان وضرورات الإصلاح / 1

1

المحامي  أسامة العرب

في كل مرة يعود فيها الحديث في لبنان عن تعديل وزاري محتمل، تتقدم إلى الواجهة أسماء وزراء وحقائب، وتبدأ بورصة التوقعات حول من سيغادر ومن سيبقى، ومن ستنتقل إليه حقيبة أو تُسند إليه أخرى. غير أن اختزال المسألة في لعبة الأسماء والحقائب يظلم الموضوع في جوهره؛ لأن التعديل الوزاري في النظام اللبناني ليس مجرد إجراء إداري، بل هو فعل دستوري وسياسي تتداخل فيه قواعد تشكيل السلطة التنفيذية مع مقتضيات التوازن السياسي والطائفي الذي يقوم عليه النظام الدستوري اللبناني.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط: من سيُغيَّر؟ بل: كيف يمكن أن يتم التغيير؟ وما هي حدوده الدستورية؟ وهل يؤدي استبدال بعض الوزراء إلى إعادة تشكيل الحكومة، أم يبقى في إطار تعديل جزئي لا يمس وجود الحكومة ككيان دستوري؟

إنّ هذه الأسئلة تكتسب أهمية خاصة في المرحلة الراهنة، حيث يتردد الحديث عن احتمال تغيير عدد من الوزراء، في ظل تصاعد الملاحظات على أداء الحكومة، وتنامي الفارق بين القرارات الكبرى ذات الطابع الاستراتيجي وبين الملفات اليومية التي تمسّ حياة اللبنانيين مباشرة، من الإدارة والتعيينات إلى المالية العامة والضرائب والموازنة. وفي مثل هذه الظروف، يصبح التعديل الوزاري، إذا حصل، اختباراً مزدوجاً: اختباراً لقدرة السلطة السياسية على تصحيح الأداء، واختباراً في الوقت نفسه لمدى احترامها للأصول الدستورية.

والمفارقة الأولى أن الدستور اللبناني لا يستخدم تعبير «التعديل الوزاري» بصورة صريحة، ولا يضع نظاماً تفصيلياً مستقلاً لهذه العملية، كما فعل في موضوع تشكيل الحكومة أو استقالتها أو إقالة الوزير. غير أن غياب النص الصريح لا يعني وجود فراغ دستوري بالمعنى الكامل. فالدستور وضع مجموعة من القواعد التي يمكن من خلالها استنباط الآلية الدستورية للتعديل، ولا سيما من خلال المواد 53 و65 و66 و68 و69. فالمادة 53، في فقرتها الرابعة، تنص على أن رئيس الجمهورية يصدر، بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء، مرسوم تشكيل الحكومة، كما يصدر مراسيم قبول استقالة الوزراء أو إقالتهم. أما المادة 65 فتدرج إقالة الوزراء ضمن «المواضيع الأساسية» التي تحتاج إلى موافقة ثلثي عدد أعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها.

وهنا ينبغي التمييز بين أمرين كثيراً ما يختلطان في النقاش العام: تعديل الحكومة من جهة، وإقالة الوزير من جهة أخرى. فإذا كان المقصود إنهاء ولاية وزير في الحكومة، فإن الدستور وضع لذلك آلية واضحة: مرسوم يوقعه رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، بعد موافقة ثلثي أعضاء الحكومة. أما إذا كان الأمر متعلقاً باستبدال وزير نتيجة استقالته أو شغور مركزه، فإن المسألة تدخل في إطار ملء الشغور واستكمال التشكيلة الحكومية، بما يحفظ استمرار الحكومة وتوازنها.

وهنا يُطرح السؤال، لماذا تبدو عملية التعديل أكثر تعقيداً من ظاهرها؟ لأن الحكومة اللبنانية ليست مجرد مجموعة من الأشخاص الذين يختارهم رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية بمعزل عن البنية السياسية التي أنتجت الحكومة. فالمادة 95 من الدستور، في المرحلة التي تسبق إلغاء الطائفية السياسية، تفرض مراعاة مقتضيات العدالة الطائفية في تشكيل الحكومة. ولذلك فإن خروج وزير ودخول آخر لا يمكن النظر إليه فقط من زاوية الكفاءة الفردية أو العلاقة السياسية بين الوزير ورئيس الحكومة، بل يجب النظر أيضاً إلى موقع الوزارة في التوازن العام للحكومة. ومن هنا يمكن فهم سبب حساسية أي تعديل وزاري واسع. فاستبدال وزير بوزير آخر قد يكون بسيطاً من الناحية الشكلية، لكنه قد يعيد توزيع التمثيل السياسي والطائفي داخل مجلس الوزراء، ويؤثر في موازين القوى التي تحكم آلية اتخاذ القرار.

والأهم أن المادة 69 من الدستور وضعت حداً دستورياً واضحاً: تعتبر الحكومة مستقيلة إذا فقدت أكثر من ثلث عدد أعضائها المحدد في مرسوم تشكيلها. وهذا يعني أن التعديل، من حيث المبدأ، يمكن أن يقع ضمن حدود معينة من دون أن يؤدي حكماً إلى سقوط الحكومة برمتها.  ولذلك فإن القول بإمكان تعديل «ثلث أعضاء الحكومة» يحتاج إلى شيء من الدقة: النص الدستوري لا يقول إن لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة حقاً مطلقاً في «تعديل الثلث»، بل يحدد نتيجة تجاوز عتبة الثلث في فقدان الأعضاء، فيما تبقى كل حالة من حالات الاستقالة أو الإقالة أو الاستبدال خاضعة لأحكامها الدستورية الخاصة.

هل يحتاج الوزراء الجدد إلى ثقة مجلس النوب؟ هذه المسألة هي الأكثر إثارة للاجتهاد. فالثقة النيابية، وفق المادة 64، تمنح للحكومة على أساس بيانها الوزاري، وفي مهلة ثلاثين يوماً من تاريخ صدور مرسوم تشكيلها. وقد حصل ذلك عملياً مع الحكومة الحالية، إذ نالت حكومة الرئيس نواف سلام ثقة مجلس النواب في شباط 2025 بعد مناقشة بيانها الوزاري. ومن ثم، فإن التعديل الوزاري الجزئي لا ينشئ، من حيث المبدأ، حكومة جديدة حتى يقال إن عليها العودة حكماً إلى مجلس النواب لنيل الثقة من جديد. فالثقة تتعلق بالحكومة كسلطة تنفيذية وبسياستها العامة، لا بعملية اختبار منفصل لكل وزير عند دخوله الوزارة.

وهذا لا يعني، في المقابل، أن الوزير الجديد محصّن من الرقابة النيابية. فالدستور منح مجلس النواب أدوات واسعة للمساءلة، وأجاز لكل نائب طلب عدم الثقة، كما نصت المادة 68 صراحة على أنه عندما يقرر المجلس عدم الثقة بأحد الوزراء وفقاً للمادة 37، يتعين على الوزير أن يستقيل. كما أن المادة 66 تميز بين المسؤولية الجماعية للوزراء عن السياسة العامة للحكومة والمسؤولية الفردية عن أفعالهم الشخصية. وبالتالي، فإن عدم اشتراط ثقة جديدة تلقائياً لكل وزير يدخل في تعديل وزاري لا يعني انتفاء الرقابة النيابية عليه. فالمجلس النيابي يستطيع ممارسة حقه الدستوري في مساءلته وطرح الثقة به وفق الأصول.

يتبع غداً

المحامي  أسامة العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.