الحرس المتشدّد يمتطي جواد ظريف؟

40

بقلم محمد قواص
«أساس ميديا»
أنهى وزير الخارجيّة الإيرانيّ محمد جواد ظريف الحرب وأعلن انتصار إيران. كتب تلك البشارة على صفحات واحدة من أعرق مجلّات “الشيطان الأكبر” في السياسة والفكر السياسيّ. اقترح في مقاله في الثالث من الشهر الجاري في الـ Foreign Affairs إعلان طهران النصر والذهاب إلى تسوية تاريخيّة. لم يحِد الرجل عن لاءات النظام، وإن حاول تغليف خطابه بلبوس الاعتدال والانفتاح وطبعاً جرعات الدبلوماسيّة التي يجيدها.
ليس صدفة أن يصدر المقال بعد يومين فقط من رسالة للرئيس الأسبق حسن روحاني يدعو فيها إلى الإصلاح في الداخل والسياسات الخارجيّة حفاظاً على شرعيّة النظام وخلاصاً من مأزق دراماتيكيّ تعيشه البلاد. فيما يظهر التناسق والتنسيق بين خطاب الرجلين، فإنّهما للمناسبة ليسا معارضين، وهما من صلب النظام والمدافعين عن مبرّر وجوده وتمدّده. لئن خرج من التيّار المتشدّد مَن أدلى بدلو شاتم للرجلين مطالباً بإعدامهما، فإنّهما بكلّ الأحوال لا ينطقان عن هوى بل يعبّران عن خيارات تجريبيّة لمن بقي من الحاكمين في طهران.
استعارة الأدبيّات العتيقة؟
يقترح ظريف نصراً لإيران يليه اتّفاق مع الولايات المتّحدة التي يقول منطق النصر الإيرانيّ إنّها ستكون مهزومة. فيما يطرح في سوق المقايضة بضاعته، فإنّه، بسلوك يعجز عنه الهواة، يقترح عودة إيران إلى مستوى تخصيب بنسبة 3.67 في المئة التي فرضها اتّفاق فيينا عام 2015 الذي أخرج الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بلاده منه بعد 3 سنوات ويخوض هذه الأيّام حرباً لنسفه بالكامل.
يذهب ظريف مذاهب كان تخلّى عنها المفاوض الإيرانيّ وزير الخارجيّة عبّاس عراقجي في آخر جلسة في جنيف. قيل إنّه اقترح نسبة رمزيّة للتخصيب أقلّ من تلك التي يفتي بها ظريف، فيما أوحى وزير الخارجيّة العُمانيّ بدر البوسعيدي لاحقاً في واشنطن بأنّ الأمور وصلت إلى احتمال اتّفاق يفرض نسبة صفريّة للتخصيب وخروج 460 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصّب بنسبة عالية (60 في المئة). يتجاهل ظريف الأمر، ويعيد صياغة رفض النظام ذلك الخيار، ويقترح تحويل المخزون إلى “كونستريوم” إقليميّ.
لا يقترب الوزير المعتدل من مسألة الصواريخ، لا بل يؤكّد عجز الحرب عن تدمير البرنامجين النوويّ والصاروخيّ، وهو ما يشي بأنّ الأمر قدر لا رجعة عنه. حتّى إنّه يستنتج انتعاش “محور المقاومة” بما يشي بتمسّك إيران بالأذرع وشرعيّة تصدير الثورة وتوسيع آفاقها. يعيد ظريف عرض خطاب ما قبل مقتل المرشد علي خامنئي والصفوف العليا للقيادات السياسيّة والأمنيّة والعسكريّة للنظام. يكرّر الرجل تمسّك بلاده بعناوين ما قبل الحرب بعد 5 أسابيع على اندلاعها.
توحي رسالة منسوبة إليه بأنّه ينصح بعرض يستنتج منه ترامب انتصاراً بأن يشمل مالاً وأعمالاً واستثمارات وانفتاحاً وعلاقات. يستدرج دول الإقليم من العرب والمسلمين إلى نظام جماعيّ لإدارة صناعات الطاقة النوويّة من جهة، وإقامة نظام أمنيّ متخلّص من قوى الخارج، وخصوصاً الولايات المتّحدة. المفارقة أنّ الرجلين: الرئيس المعتدل ووزيره البراغماتيّ لم يسمعا بأهوال ارتكبتها بلادهما في المنطقة منذ قيام الجمهوريّة الإسلاميّة، ولم يأبها للاعتداءات المباشرة التي ارتكبتها إيران خلال الأسابيع الماضية ضدّ العراق ودول الخليج، ولم يكترثا للكارثة التي أعاد حزبها في لبنان التسبّب بها للبلد من جديد. حتّى إنّ ظريف يراكم حججاً لتبرير ما وصلت إليه علاقات إيران بدول المنطقة محمّلاً إيّاها جانباً من هذا المصير.
يستعير ظريف أدوات النظام العتيقة والراهنة للتمنّن ببرنامج للحلّ في إيران والمنطقة والعالم والولايات المتّحدة. ينطلق من مسلّمة أنّ مضيق هرمز هو غنيمة إيرانيّة نهائيّة تفرض نفسها في ورش المقايضة وتبادل الأوراق. لسان حاله يقول: “ارفعوا عنّا كلّ العقوبات فنرفع يدنا عن ممرّ الملاحة الدوليّ”. فيما يتوجّه روحاني إلى الداخل ملمّحاً إلى الدعوة إلى الرأفة بالشعب وإصلاح العلاقة معه، آخذاً بالاعتبار “انتفاضته” الأخيرة وخسائره التي لم تنتهِ، يعوّم ظريف نظريّة التفاف الشعب حول قيادته ورفض الناس للتفاوض وإنهاء الحرب عبر الدبلوماسيّة.
ملاعبة غرور ترامب
في بال ظريف مراعاة نظام بلاده الذي بات الحرس الثوريّ رأسه وقاعدته وعموده وناظم خطابه. في بال خصوم النظام أنّ الرجل، الذي أبعده “الحرس” عن موقعه بالقرب من رئيس الجمهوريّة مسعود بزشكيان ولم يكنّ له يوماً الودّ والوئام، لم يكن ليجرؤ على تمرير سطوره إلى مجلّة أميركيّة من دون غضّ طرف وربّما تشجيع من “أولياء الأمر” هذه الأيّام. بالنظر إلى ما يمتلكه ظريف من “سمعة سيّئة”، سيسهل على من غضّ الطرف التبرّؤ من اجتهاداته وفتاويه.
وفق تلك العوامل أتى مقال ظريف ليعبّر عن أوّل نسخة غير موفّقة يسرّبها النظام، لعلّ تحديثات لاحقة بعد الأخذ والردّ (بما في ذلك غضب المتشدّدين المُهندَس ضدّ ظريف وروحاني) تُنتج نسخاً أكثر واقعيّة تدرك ما حلّ بإيران، وما تغيّر في المنطقة عندنا والعالم منذ بدء الحرب قبل أكثر من شهر.
في ظلال النصر الذي يزعمه ظريف حتميّاً يقترح (وللصدفة مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف قبل أيّام) على المنطقة (التي قصفت إيران دولاً منها) نظاماً أمنيّاً يطرد الولايات المتّحدة بما يوحي بموقع إيران الطموح المقبل. ينهل ظريف من قاموس قديم قاد إلى اتّفاق مع واشنطن في عهد باراك أوباما قبل 11 عاماً. يستسهل (مثل كثيرين من المطبّلين لإيران في المنطقة) قراءة أهداف ترامب، الذي ينتشر له هذه الأيّام فيديو يعود إلى عام 1987 يتحدّث فيه عن خطّته لإيران، ويتبيّن قِدم وتجذّر رؤاه بحيث لن يرضيه ما يلمّح به ظريف من أفضال تقدّمها إيران لملاعبة غرور الرجل وإرضائه بفتات يخرجه من الحرب بشكل مشرّف.
محمد قواص

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.