الحريرية السياسية: ظاهرة لا يمكن إقصاؤها

14

بقلم د. ابراهيم العرب

ليس من السهل الحديث عن لبنان الحديث من دون التوقف عند الحريرية السياسية. فهذه الظاهرة التي ارتبط اسمها بالرئيس الشهيد رفيق الحريري لم تكن مجرد تجربة حكم، ولا مشروعًا انتخابيًا عابرًا، ولا حالة شخصية انتهت باغتيال مؤسسها أو بانسحاب وريثها السياسي من المشهد. لقد تحوّلت، على مدى عقود، إلى جزء من التركيبة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للبنان، وإلى عنوان ارتبط في الذاكرة اللبنانية بمفاهيم إعادة الإعمار والانفتاح والاعتدال والعلاقات العربية والدولية.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل انتهت الحريرية السياسية؟ بل: هل تغيّرت الحريرية إلى درجة تجعلنا أمام ظاهرة جديدة، أم أن جوهرها ما زال حاضرًا وقابلًا لإعادة الظهور؟ فلقد جاء الرئيس الشهيد رفيق الحريري إلى السياسة اللبنانية في لحظة استثنائية. كان لبنان يخرج من حرب طويلة، ومؤسساته منهكة، واقتصاده مدمرًا، وبيروت تبحث عن استعادة دورها. في ذلك السياق، قدّم الحريري الأب مشروعًا تجاوز إعادة بناء الحجر إلى إعادة بناء صورة لبنان نفسه. وكانت بيروت في قلب هذا المشروع: عاصمة تستعيد موقعها، ومدينة تنفتح على العالم، وواجهة اقتصادية وثقافية لبلد أراد أن يطوي صفحة الحرب.

لكن الحريرية لم تُبنَ على الإعمار وحده. فقد نشأت حولها شبكة واسعة من المؤسسات والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية، وارتبط اسمها بالتعليم والمساعدات والعمل الإنمائي وخلق فرص العمل. ومع مرور الوقت، تحوّلت هذه الشبكات إلى رصيد اجتماعي وسياسي يتجاوز شخص مؤسسها. وهنا تكمن إحدى أهم خصائص الظاهرة الحريرية: إنها لم تبقَ رهينة الفرد. فالزعيم قد يغيب، والتنظيم قد يضعف، والتحالفات قد تتغير، لكن ما يتجذر في المجتمع والذاكرة لا يختفي بسهولة.

كان اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عام 2005 أعنف اختبار لهذه المعادلة. فقد انتقل العبء السياسي إلى نجله الشيخ سعد الحريري، الذي وجد نفسه أمام إرث يفوق قدرة أي زعيم على حمله بسهولة. لم يكن المطلوب منه فقط أن يكون ابن رجل تاريخي، بل أن يصبح رجل سياسة في بلد مضطرب، وأن يدير تحالفات وصراعات معقدة، وأن يتحمل مسؤولية تمثيل شريحة واسعة من اللبنانيين في مرحلة شديدة الحساسية.

وقد استطاع الرئيس سعد الحريري أن يحتل موقعًا مركزيًا في الحياة السياسية اللبنانية، فترأس الحكومات وخاض الانتخابات وأدار تحالفات واسعة، وكان نسخة من والده، وهو أمر طبيعي. لكن الظروف تغيّرت، ولبنان الذي دخل إليه رفيق الحريري لم يعد لبنان الذي واجهه سعد. ثم جاء قرار الابتعاد عن العمل السياسي، ففتح الباب أمام مرحلة جديدة. ظهرت شخصيات وقوى حاولت ملء المساحة التي تركها، وتوزعت الأصوات والتحالفات، وأعيد تشكيل جزء من المشهد السني. وقد يعتقد البعض أن هذا التحوّل يعني أن الحريرية فقدت موقعها. لكن هذا الاستنتاج يتجاهل حقيقة أساسية: الغياب السياسي لا يساوي بالضرورة الغياب الشعبي. وهنا تحديدًا تكمن أهمية سعد الحريري اليوم. فالسؤال عن عودته لا يتعلق فقط بشخصه، وإنما بموقع الزعامة السنية في لبنان وبالإرث السياسي الذي تركه والده. فلقد أثبتت السنوات الماضية أن الساحة قادرة على إنتاج شخصيات وقيادات متعددة، لكنها لم تنتج بالضرورة بديلًا واحدًا استطاع أن يلغي الرمزية التي يمثلها اسم الشيخ سعد الحريري.

ومن هنا، فإن أي عودة لسعد الحريري، إذا حصلت، ستكون اختبارًا حقيقيًا لا لقوة الاسم فقط، بل لحجم التحوّلات التي طرأت على المجتمع اللبناني. هل بقي الجمهور الذي ارتبط به؟ هل تبدلت أولوياته؟ هل لا يزال خطاب الاعتدال قادرًا على استقطاب الناخبين في بيئة سياسية أكثر تشددًا وانقسامًا؟

ومن هنا يبرز السؤال عن حجم التداعيات السياسية التي قد تحدثها عودته، والتي وصفها البعض «بالتسونامي السياسي». فإذا عاد الحريري، فلن يكون التأثير محصورًا في البيئة السنية. فعودته المحتملة ستدفع القوى اللبنانية الأخرى إلى إعادة حساباتها: من سيذهب إلى التحالف معه؟ من سيواجهه؟ من سيعيد ترتيب مرشحيه؟ وكيف ستتغير خريطة التوازنات في بيروت وطرابلس وصيدا وإقليم الخروب وسائر المناطق؟

والعودة ضرورية لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. فالانهيار الاقتصادي غيّر المجتمع، وأضعف الطبقة الوسطى، ووسّع دائرة الفقر، وعمّق فقدان الثقة بالطبقة السياسية. وفي مثل هذا الواقع، لا يستطيع غير الحريري أن يحلّ هذه الأزمات. وهنا تصبح الحريرية أمام امتحان مختلف: هل تستطيع أن تتحوّل من إرث إلى مشروع وطني عابر للطوائف والمذاهب؟ فالاعتدال الذي شكّل أحد عناوين الخطاب الحريري يحتاج اليوم إلى ترجمة سياسية واضحة. والانفتاح العربي والدولي يحتاج إلى سياسة خارجية متوازنة. والحديث عن الدولة يحتاج إلى إصلاح مؤسساتها، واستقلال القضاء، ومعالجة الانهيار الاقتصادي، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والسلطة. كما أن الدفاع عن اتفاق الطائف لا يمكن أن يبقى شعارًا سياسيًا. فالمطلوب هو الانتقال من إدارة النظام الطائفي إلى معالجة جذور الخلل الذي سمح بتحول الطائفية إلى آلية دائمة لتوزيع النفوذ والمصالح.

وفي هذا السياق، تبرز مسألة المال السياسي والخدمات. فالاقتصاد المنهار جعل المواطن أكثر هشاشة، وجعل المساعدات والخدمات أكثر قدرة على التأثير في خياراته. وهذه ليست مشكلة فريق سياسي واحد، بل مشكلة النظام السياسي اللبناني بأكمله. فالديمقراطية لا تكون حقيقية إذا اضطر المواطن إلى مقايضة صوته بحاجته، أو مستقبله بخدمة، أو حقه السياسي بالمساعدة. لذلك، فإن مستقبل الحريرية لن تحدده فقط قدرتها على استعادة جمهورها، بل قدرتها على مواجهة الفساد والمال السياسي وتقديم إجابة مقنعة عن سؤال الدولة.

إن الجزم بأن الحريرية السياسية قد أُضعفت يبدو متسرعًا، ذلك أن الشيخ سعد الحريري لم يعد بعد، فهو وما يزال خارج البلاد يُحافظ على حضوره الوطني والعربي والدولي. فالحقيقة تقع في مكان أكثر تعقيدًا: الحريرية لم تختفِ، كما أنها بعودة رئيسها سَتَعود كما كانت. وإن تغيرت الأدوات، وتبدلت التحالفات، وتراجع التنظيم، وظهر جيل سياسي جديد. لكن الرمزية بقيت، والذاكرة بقيت، وجزء من القاعدة الاجتماعية بقي حاضرًا. وهذا يعني أن الظاهرة من المؤسس الشهيد الرمز إلى الوريث السياسي المحبوب جماهيرياً لم تصل إلى نهايتها بقدر ما دخلت مرحلة جديدة من إعادة تعريف. والشيخ سعد الحريري، إن قرر العودة، سيعود إلى بلد أكثر فقرًا، وأكثر تشككًا، وأكثر تعبًا، لكنه أيضًا أكثر حاجة إلى مشروعه السياسي القادر على إعادة الاعتبار للدولة والمؤسسات والاعتدال.

كما قد لا يكون السؤال: هل سيعود سعد الحريري؟ بل ماذا سيحمل معه إذا عاد؟ فإذا كانت العودة مصحوبة بمشروع وطني، يستفيد من إرث الشهيد رفيق الحريري ويخاطب جيلًا تغيرت أولوياته، ويضع بناء الدولة فوق منطق الزعامة، فإنها قد تكون بالفعل نقطة تحوّل، بل تسونامي سياسي. فالحريرية السياسية، في نهاية المطاف، نتاج مرحلة من تاريخ لبنان، ونتاج حاجات اجتماعية وسياسية لا تزال بعض أسبابها قائمة. ولهذا لا يمكن إقصاؤها بقرار سياسي، كما لا يمكن إعلان تمكّن خصومها من إضعافها. قد تتراجع، وقد تتغير، وقد تعيد إنتاج نفسها بأدوات مختلفة، لكنها ستظل حاضرة ما دامت الأسباب الاجتماعية والسياسية التي ساهمت في نشأتها لم تختفِ بالكامل. والحريرية اليوم تقف أمام هذه اللحظة بالذات، ونحن نؤمن بالديمقراطية وحرية التنافس، والحكم يبقى في النهاية لصندوق الاقتراع؛ فهو وحده القادر على تحويل الذاكرة إلى أرقام، والرمزية إلى أصوات، والحديث عن العودة إلى حقيقة سياسية لا تحتمل التأويل.

د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.