الذكرى الـ 21 لرفيق الحريري تُعيد تثبيت زعامة سعد
بقلم دافيد عيسى
في الذكرى الحادية والعشرين لاستشهاد الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لم تكن كلمة نجله الرئيس سعد الحريري مجرد خطاب سياسي عابر يُلقى في مناسبة سنوية، بل بدت أقرب إلى مصارحة وجدانية ووطنية شاملة مع اللبنانيين، ومحاولة صادقة لإعادة بثّ الأمل في وطن يرزح تحت أثقال الأزمات المتراكمة.
فقد جاءت الكلمة في لحظة يختلط فيها الحنين بالخوف، والوفاء بالقلق على المصير، وكأنها سعت إلى إعادة وصل ما انقطع بين اللبنانيين وفكرة الدولة التي حلم بها الشهيد.
«من على منبر ساحة الشهداء، ذلك المكان الذي يختصر ذاكرة وطن وجرحه المفتوح منذ عقود، استعاد سعد الحريري لغة الاعتدال التي طبعت مسيرته منذ تسلّمه الشعلة، كما طبعت مسيرة والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
إنها المدرسة السياسية التي آمنت بأن لبنان لا يُحكم بالغلبة بل بالتوازن، ولا يُبنى إلا على قاعدة العيش المشترك والثقة بالمؤسسات.»
ولم يكن اختيار المكان تفصيلًا بروتوكوليًا، بل رسالة رمزية بأن المشروع الذي بدأ هناك، يوم التفّ اللبنانيون حول حلم الدولة، لا يزال حيًا رغم كل العواصف.
وجاء تأكيده على ضرورة إلغاء الطائفية السياسية ليعكس تمسّكه بحلم الدولة المدنية الحديثة التي شكّلت جوهر مشروع رفيق الحريري.
ففي بلد أنهكته الانقسامات العمودية وأرهقته الهويات المتقابلة، بدا هذا الطرح دعوة جريئة للخروج من أسر الطوائف نحو فضاء المواطنة، حيث تتقدّم الكفاءة على الانتماء، ويصبح القانون وحده الضامن للحقوق. وهو طرح يحمل في طياته اعترافًا بأن الأزمة اللبنانية لم تعد سياسية فحسب، بل بنيوية تمسّ شكل النظام نفسه.
أما تشديده على أن لا سلاح إلا بيد الدولة، فحمل رسالة سيادية واضحة، لكنها صيغت بلغة هادئة بعيدة عن التحدي أو الاستفزاز، وكأن الحريري أراد أن يقول إن استعادة الدولة لا تكون بالمواجهة المفتوحة بل بتعزيز الشرعية وإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته.
وهذه المقاربة تعكس نهج الاعتدال الذي ميّز مسيرته السياسية، والقائم على تجنيب لبنان صراعات كبرى لا قدرة له على تحمّل تبعاتها.
وفي مخاطبته جمهوره، برز البعد الإنساني في الخطاب بوضوح لافت.
فقد تحدّث إليهم بلغة أقرب إلى القلب منها إلى السياسة، مستحضرًا وفاءهم وصبرهم خلال سنوات الغياب والأزمات، ومؤكدًا أن الاعتدال ليس ضعفًا بل شجاعة أخلاقية، وأن الصبر ليس استسلامًا بل إيمان عميق بأن الأوطان لا تُبنى باليأس.
بذلك أعاد الاعتبار لثقافة سياسية هادئة افتقدها اللبنانيون في زمن الانقسامات الحادة، ثقافة تقوم على الحوار بدل القطيعة، وعلى التسويات الوطنية بدل منطق الكسر والغلبة.
وفي هذا السياق، برزت شخصية سعد الحريري الإنسانية التي طالما ميّزته عن غيره من القيادات، إذ عُرف بمحبة صادقة للناس وقربه العفوي منهم، وبوفائه لأصدقائه ورفاق دربه في أصعب الظروف، فضلًا عن تواضع لافت في سلوكه العام جعل منه أقرب إلى المواطن العادي منه إلى صورة الزعيم التقليدي.
وقد انعكست هذه الصفات في طريقة تواصله مع جمهوره، حيث بدا الإصغاء لديهم متبادلاً، قائمًا على علاقة وجدانية تتجاوز حدود السياسة إلى مساحة الثقة الشخصية والوفاء المتبادل.
ولعلّ أكثر ما لفت في هذه الذكرى حجم الحشد الشعبي الذي توافد إلى ساحة الشهداء والذي تخطى كل السنوات الماضية، حيث برز بقوة حضور الشباب، أي الجيل الجديد الذي لم يعش تجربة رفيق الحريري السياسية بكل تفاصيلها، لكنه حضر بدافع الانتماء إلى فكرة الدولة التي يريد ان يجسّدها نجله سعد الحريري.
هذا المشهد عكس انتقال الحريرية السياسية من ذاكرة الآباء إلى حماسة الأبناء، وأظهر أن الرهان على وعي الشباب لا يزال قائمًا، وأن الأجيال الصاعدة قادرة على حمل الشعلة والمشاركة في رسم مستقبل البلاد.
كما حملت كلمته إشارات واضحة إلى أسباب ابتعاده السابق عن العمل السياسي، لكنه قدّم ذلك بوصفه موقفًا أخلاقيًا يرفض المساومة على كرامة الدولة أو الانخراط في تسويات تنتقص من مشروعها، لا انسحابًا من المسؤولية أو تخليًا عن الدور.
وفي هذا السياق، بدا وكأنه يفتح صفحة جديدة مع جمهوره ومع اللبنانيين عمومًا، عنوانها التمسك بنهج رفيق الحريري دون الغرق في سجالات الماضي أو استعادة انقسامات أنهكت البلاد.
وفي المحصلة، أعاد خطاب سعد الحريري التذكير بأن مشروع رفيق الحريري لم يكن مجرد تجربة حكم أو مرحلة سياسية عابرة، بل رؤية متكاملة لدولة حديثة مزدهرة ومنفتحة على العالم، دولة قادرة على احتضان جميع أبنائها دون تمييز.
وبين الحنين إلى زمن الإعمار والاستقرار، والخشية من مستقبل غامض، قدّم الحريري جرعة أمل حين تحدّث عن “نور في نهاية النفق”، في وقت بات فيه اللبنانيون بأمسّ الحاجة إلى من يذكّرهم بأن النهوض لا يزال ممكنًا، وأن الانهيار ليس قدرًا محتومًا.
هكذا بدت الكلمة أقرب إلى رسالة طمأنة وطنية منها إلى خطاب سياسي تقليدي؛ رسالة تقول إن الاعتدال ما زال خيارًا صالحًا لإنقاذ لبنان، وإن الدولة ما زالت الحلم الذي يستحق أن يُناضل من أجله اللبنانيون، وإن إرث رفيق الحريري لا يزال حيًا في وجدانهم، كما في وجدان وطن لم يفقد بعد قدرته على الحلم.
دافيد عيسى
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.