العراق: انتخاب الرّئيس… إعادة إنتاج الأزمات أم حلّها؟

10

بقلم حسن فحص

«أساس ميديا»

وضع انتخاب القياديّ في حزب الاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ (يكتي) نزار أميدي رئيساً لجمهوريّة العراق حدّاً للفراغ في هذا الموقع السياديّ وتعطيله، لكنّه أنتج في المقابل سلسلة من الأزمات والصراعات المفتوحة بين العديد من القوى السياسيّة داخل المكوّنين الشيعيّ والكرديّ، وتحديداً داخل “الإطار التنسيقيّ” وما يرتبط به من استحقاق تسمية رئيس الوزراء الجديد، وفي الداخل الكرديّ مع الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ (بارتي) بزعامة مسعود بارزاني في ما يتّصل بهيكليّة توزيع مراكز القوى والمناصب والمواقع في حكومة إقليم كردستان.

على الرغم من تجربة أميدي الممتدّة على مدى العقدين ونصف العقد الماضيَين بالقرب من رؤساء الجمهوريّة بعد سقوط النظام السابق، حين كان مستشاراً ثمّ وزيراً للبيئة في حكومة محمّد شياع السوداني قبل أن يستقيل أواخر عام 2024 للتفرّغ لإدارة شؤون المكتب السياسيّ لحزب يكتي في بغداد، كشف انتخابه لرئاسة الجمهوريّة عن عمق الخلاف المستمرّ بين الحزب الذي يقوده بافل طالباني والحزب الذي يقوده مسعود بارزاني على توزيع المناصب السياديّة في الحكومة الاتحاديّة وحكومة الإقليم.

مقابل ما حقّقه حزب الاتّحاد من تكريس حصّته وتثبيتها في رئاسة الجمهوريّة جاعلاً منها استحقاقاً سياسيّاً له منذ قيام العراق الجديد، فتح باباً للصراع بينه وبين شريكه الكرديّ الحزب الديمقراطيّ على مختلف المستويات، بعدما فشل الأخير مرّة جديدة في مساعيه للحصول على موقع الرئاسة، إثر دفعه بوزير الخارجيّة فؤاد حسين ليكون مرشّحاً له في هذا السباق. قد ينعكس هذا الصراع بشكل واضح على معادلات توزيع السلطة وتقاسم النفوذ والموقع داخل إقليم كردستان.

انتخاب أميدي، وإن كان قد ساهم في تمرير استحقاق دستوريّ على المستوى الاتّحاديّ العراقيّ، زاد من تعقيد المشهد الكرديّ، الذي سينعكس مزيداً من الأزمات التي ستؤثّر على مسار تشكيل حكومة الإقليم الجديدة المعطّلة، بالإضافة إلى انعكاسه على مسار تشكيل الحكومة الاتحاديّة في بغداد أيضاً.

أزمات داخل الإقليم

تبدو الأزمة داخل الإقليم أنها ستكون أكثر تأثّراً بنتيجة هذا الصراع والخلاف المستجدّ، في ظلّ ما يعانيه ويواجهه الإقليم من تصاعد في الأزمات السياسيّة والإداريّة والاقتصاديّة، وخاصّة أنّ الأوضاع فيه تعاني تراكم أزمات نتيجة تعطيل عمل البرلمان منذ ثلاث سنوات، وفشل تشكيل حكومة جديدة بعد مرور عام ونصف عام على هذا الاستحقاق، لا سيما أنّ التعطيل في هاتين السلطتين كان نتيجة خلاف عميق بين حزبَي بارتي ويكتي على توزيع المناصب والحصص في حكومة الإقليم (موقع وزير داخليّة الإقليم) والحكومة الاتّحاديّة على حدّ سواء (موقع رئاسة الجمهوريّة).

أسفرت جلسة الانتخاب البرلمانيّة التي شهدت مقاطعة من الحزب الديمقراطيّ وائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي ورئيس تحالف أساس محسن المندلاوي، عن نتيجة قاسية حصل فيها فؤاد حسين على 16 صوتاً في الجولة الثانية للانتخاب، في حين حصل أميدي على 227 صوتاً مثّلت شراكة بين حزب الاتّحاد وائتلاف الإعمار بقيادة رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمّد شياع السوداني وحزب تقدّم بقيادة رئيس البرلمان الأسبق محمّد الحلبوسي وتحالفات من “الإطار التنسيقيّ”، على رأسهم عمّار الحكيم (تيّار الحكمة)، وقيس الخزعلي (عصائب أهل الحقّ – كتلة صادقون)، وهادي العامري (منظّمة بدر).

إنّ المعركة السياسيّة التي خاضتها القوى السياسيّة العراقيّة بمختلف المكوّنات الثلاثة الأساسيّة (الشيعيّة والسنّيّة والكرديّة) وصولاً إلى تمرير استحقاق رئاسة الجمهوريّة، تكشف بوضوح عن إنتاج خريطة تحالفات جديدة بين هذه القوى لا شكّ أنّها ستتبلور وتتمظهر في الأيّام المقبلة بشكل أوضح، مع اقتراب موعد استحقاق اختيار رئيس وزراء جديد عن المكوّن الشيعيّ، وتطرح سؤالاً جوهريّاً عن مصير “الإطار التنسيقيّ”: هل يحتفظ بتركيبته الحاليّة أم يتحوّل إلى منتدى لمتناقضين، وهم كذلك، أم يذهب إلى التفكّك أو الانقسام على نفسه؟

قد تكون أولى نتائج انتخاب أميدي لرئاسة الجمهوريّة الخيار السابق الذي ذهب إليه “الإطار التنسيقيّ” باختيار نوري المالكي مرشّحاً له لمنصب رئاسة الحكومة لأنّ التحالف الذي أنتج رئيس الجمهوريّة الجديد يضمّ في صفوفه أقطاباً طالما عارضت هذا الاختيار داخل “الإطار” (الحكيم والخزعلي) ومن المكوّن السنيّ من خارجه (حزب تقدّم – الحلبوسي)، وعملت بكلّ طاقتها لعرقلة وصوله من خلال تعطيل انتخاب رئيس الجمهوريّة بداية.

عودة السّوداني إلى دائرة التّنافس؟

بات الطريق أمام السوداني مفتوحاً للعودة إلى دائرة التنافس على رئاسة الحكومة، بعدما تحرّر من الالتزام والتعهّد الذي أبرمه مع المالكي بالتخلّي له عن هذا المنصب وعدم الترشّح ضدّه، وخاصّة أنّ السوداني لا يواجه معارضة قاسية لعودته من قبل ثماني قوى داخل “الإطار” من أصل 12 عضواً، من بينهم الحكيم والخزعلي، بالإضافة إلى العامري، علاوة على عدم معارضة قوى تحالف إدارة الدولة، وفي مقدَّمهم حزب الاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ وحزب تقدّم، وآخرين من المكتب السياسيّ السنيّ الذي يضمّ زعماء حزب السيادة خميس الخنجر، وحزب عزم مثنّى السامرائيّ، وحزب حزم ثابت العبّاسي، والجمهور أحمد الجبوري.

سيعمل المالكي والبرزاني، اللذان لم يستطيعا مع المندلاوي توفير الثلث المعطّل لتعطيل جلسة انتخاب رئيس الجمهوريّة، لاستحقاق رئاسة الحكومة على ترميم ما بقي لهما من نفوذ وتأثير لتقليل الخسائر أوّلاً، ومن أجل الحفاظ على موقع الشراكة الفاعلة في العمليّة السياسيّة في الحكومة الاتّحاديّة ثانياً، وخاصّة أنّ الصراع على حكومة الإقليم سيبقى مفتوحاً، وسيزداد حدّة وتعقيداً، مع الذهاب إلى مواقف أكثر تصعيداً مع بغداد، بعد خطوة سحب الحزب الديمقراطيّ لجميع وزرائه من الحكومة الاتّحاديّة إثر انتخاب أميدي.

من هنا يمكن فهم ما يدور من حديث عن عروض تصدر عن المالكي والسعي لتمرير مرشّح توافقيّ قد يكون رئيس هيئة اجتثاث البعث السابق باسم البدري (الدعوجي)، مقابل عدم عودة السوداني أو أيّ شخصيّة أخرى سبق أن تولّت هذا المنصب، في إشارة إلى الرئيس الأسبق حيدر العبادي، في حين أنّ القوى الأخرى داخل “الإطار” لا تبدي ممانعة أو مقاومة أمام إمكانيّة عودة السوداني.

على الرغم من حدّة الصراعات الداخليّة بين القوى العراقيّة بمختلف انتماءاتها، ودور المصالح الخاصّة لهذه القوى داخل الدولة وحصصها ونفوذها الاقتصاديّ والماليّ، يعود أحد العوامل التي تحكم اختيار المناصب السياديّة، وتحديداً رئيس الوزراء، إلى محاولة البحث عن توازن بين الضغوط الأميركيّة والنفوذ الإيرانيّ، الأمر الذي يجعل الاختيار معقّداً، وفيه الكثير من المحاذير، وخصوصاً ما يتعلّق بموضوع تعاطي السلطة التنفيذيّة مع المطالب الأميركيّة في مسألة السلاح المنفلت والفصائل المسلّحة الموالية لإيران، وصولاً إلى كيفيّة تمرير قانونيّة ودستوريّة واستمراريّة عمل هيئة الحشد الشعبيّ.

حسن فحص

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.