القرش الأبيض.. في رزنامة الأيام السوداء
بقلم دافيد عيسى
سياسي لبناني
قيل قديمًا: «خبّي قرشك الأبيض ليومك الأسود».
إنه مثلٌ شعبي يعني أن الإنسان، مهما كانت ظروفه جيدة، عليه أن يدّخر بعض ما يكسبه تحسّبًا ليوم تضيق فيه الأحوال، ويأتي ذلك اليوم الأسود.
ولنبدأ من مجرى الأحداث.
ففي 14 شباط 2005، اغتيل رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري، فسقط شهيدًا، وكانت الجريمة بمثابة زلزال سياسي وأمني هزّ البلاد، وترك تداعيات عميقة على الحياة الوطنية، وما زالت ارتداداتها ماثلة في المشهد اللبناني حتى اليوم.
ومنذ ذلك التاريخ، دخل لبنان مرحلةً قاتمة من تاريخه، وكأن لعنةً قد حلّت بهذا الوطن؛ فتوالت الاغتيالات والحروب، وتفاقمت الانقسامات السياسية، وتوالت الأزمات على مختلف المستويات، وصولًا إلى الانهيار المالي والاقتصادي والاجتماعي الذي طال الدولة ومؤسساتها، وألقى بأعبائه الثقيلة على كاهل المجتمع اللبناني بأسره.
وتوالت فصول هذه الأزمات عامًا بعد عام، حتى بات اللبناني يعيش يومه بيومه، ويترقّب ما قد يحمله الغد، وكأنّه كُتب على هذا الوطن وأبنائه أن يبقوا أسرى القلق والخوف، وأن يُحرموا نعمة الأمان.
ثم جاءت أزمة القطاع المصرفي، فكانت من أشد الأزمات وطأةً وأكثرها إيلامًا، بعدما فقد اللبناني، خلال فترة قصيرة، القدرة على الوصول إلى ما ادّخره طوال حياته، ليؤمّن به شيخوخته، ويحفظ كرامته، ويجنّبه الحاجة إلى أحد.
فإذا بالمدخرات التي ظنّها ملاذه الأخير تتحوّل إلى أموال عالقة، لم يعد بإمكانه الوصول إليها إلا بالقطّارة، لتضيف إلى أوجاعه وجعًا فوق وجع.
كلّ ذلك كان يحدث فيما المسؤولون عن البلاد والعباد «تركوا الجمل بما حمل»، وتنصّلوا من مسؤولياتهم، مكتفين بتقاذف المسؤوليات وتبادل الاتهامات حول ما حصل.
أما المودع، فوجد نفسه وحيدًا في مواجهة مصيره.
ولم تتوقف الأعباء عند خسارة المدخرات، بل وجد المواطن نفسه أمام ضرائب ورسوم جديدة تتزايد يومًا بعد يوم، في وقت تتراجع فيه قدرته على تحمّلها.
فالضرائب، في أي دولة، يُفترض أن تكون مساهمةً من المواطن في بناء الدولة وتمويل خدماتها ومؤسساتها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا يحصل المواطن في مقابل الضرائب التي يدفعها؟
وكيف يمكن أن يشعر المواطن بالعدالة حين يدفع ضرائبه للدولة، ثم يجد نفسه مضطرًا إلى الدفع مرة أخرى للحصول على الخدمة نفسها من مصادر خاصة؟
وفي خضمّ هذه الأزمات، لم تتضرر الفئات الأكثر فقرًا وحدها، بل أصاب الانهيار أيضًا شريحة واسعة من الطبقة الوسطى، تلك التي طالما شكّلت عماد المجتمع اللبناني.
فوجد كثيرون منهم أنفسهم أمام واقع لم يعد فيه الدخل يكفي، والمدخرات لم تعد متاحة، والمستقبل لم يعد مضمونًا.
فالعسكري الذي أفنى سنوات عمره في خدمة وطنه، والمدني الذي أمضى حياته يعمل ويكدّ تأمينًا لشيخوخته وحفاظًا على كرامته، باتا يخشيان أن تتبدّد ثمرة سنوات العمل والادّخار، بعدما تآكلت قيمة ما جمعاه، وما كانا يعوّلان عليه ليؤمّن لهما حياةً كريمة في خريف العمر.
وهناك أيضًا من أمضوا عشرين وثلاثين سنة في العمل في مؤسسات الدولة وأسلاكها العسكرية والأمنية، وهم يعوّلون على تعويض نهاية خدمتهم ليعيشوا ما تبقّى من عمرهم بكرامة.
لكنهم اكتشفوا، بعد الأزمة المالية وانهيار قيمة أموالهم، أن هذا التعويض الذي جمعوه ثمرة سنوات طويلة من العمل لم يعد يكفيهم في كثير من الحالات لأكثر من شهرين أو ثلاثة، فتحوّل ما كان يفترض أن يكون أمانًا للمستقبل إلى مصدر جديد للقلق والخوف.
ولم تعد الأزمة تقتصر على ضياع المدخرات أو تراجع القدرة الشرائية، بل تحوّلت إلى أزمة معيشية عميقة امتدت إلى مختلف تفاصيل الحياة اليومية.
وبات تأمين أبسط الاحتياجات الأساسية يشكّل تحديًا يوميًا لكثير من الأسر.
وحتى تحويلات اللبنانيين المغتربين إلى عائلاتهم في الوطن، والتي لطالما شكّلت موردًا أساسيًا ساعد عددًا كبيرًا من الأسر على مواجهة أعبائها، لم تعد كافيةً لتلبية الاحتياجات المتزايدة.
في 8 أكتوبر 2023، انخرط حزب الله في الحرب إسنادًا لغزة، ثم عاد في 2 آذار 2026 إلى الانخراط في الحرب مجددًا إسنادًا لإيران.
وتزامن ذلك مع تصاعد الخلافات الداخلية في لبنان بشأن سلاح حزب الله وقرارَي الحرب والسلم، في وقت يرزح فيه لبنان تحت وطأة القصف الإسرائيلي العنيف، الذي طال المدن والقرى في الجنوب والضاحية الجنوبية، إضافةً إلى مناطق في البقاع، متسببًا بتدمير واسع ونزوح آلاف العائلات من مناطقها.
وهكذا، وجد اللبناني نفسه عالقًا في دوامة متواصلة من الحروب والأزمات؛ فما إن ينجو من أزمة حتى يجد نفسه أمام أخرى أشدّ قسوة، تبدّد ما تبقّى لديه من أمل، وتكرّس شعوره بأن هذا اليوم الأسود لا يبدو أن له نهاية قريبة.
حتى أبسط تفاصيل الحياة اليومية، كشراء المواد الغذائية التي يُفترض أن تكون من البديهيات والحقوق الأساسية، تحوّلت إلى مصدر دائم للقلق.
وهنا، إذا كانت الدولة عاجزة عن معالجة الملفات السياسية الكبرى، وهي معذورة إلى حدٍّ ما في ذلك، باعتبار أن كثيرًا منها يرتبط بتعقيدات إقليمية ودولية، فأين هي من الملفات الاقتصادية والمعيشية التي تقع ضمن مسؤولياتها المباشرة؟ وأين وزارة الاقتصاد والتجارة؟ وأين مديرية حماية المستهلك ودورها في مراقبة الأسعار وضبط الأسواق والحدّ من جشع كبار التجار الذين لا يشبعون ولا يرحمون؟ وكيف يُسمح لهؤلاء باستغلال وجع الناس وفقرهم، ورفع الأسعار بلا رادع أو وازع، ومن دون حسيب أو رقيب؟
وأين الرقابة على محطات الوقود للتأكد من جودة المحروقات وسلامتها، بعدما تبيّن وجود محطات تخلط الماء بالوقود، فضلًا عن أمور أخرى كثيرة بات المواطن يواجهها في حياته اليومية، وكأن المطلوب منه أن يدفع ويدفع، فيما لا يجد من يحميه أو يصون أبسط حقوقه؟
كلّ تلك المآسي تركت ندوبًا عميقة في وجدان اللبناني، وأفقدته شيئًا فشيئًا قدرته على الحلم، وعلى التخطيط لغده، وعلى التطلّع إلى المستقبل بثقة وأمل.
ولهذا أصبحت الهجرة، بالنسبة إلى كثير من الشباب والعائلات اللبنانية، وسيلةً للبحث عن حياة أكثر استقرارًا وأمانًا في مكان آخر.
ومن المحزن والمؤلم أن نرى وطنًا يفقد أبناءه عامًا بعد عام؛ فهو لا يخسر بذلك طاقات بشرية فحسب، بل يخسر أيضًا جزءًا من مستقبله، وأحلام شبابه، وقدرته على النهوض والتقدّم.
ومع ذلك، بقي اللبناني يكافح ويتحمّل، ويبحث بين ركام الأزمات عن نافذة أمل يتمسّك بها.
وهنا لا بدّ من أن نتساءل: لو أن بلدًا آخر وشعبًا آخر مرّ بكل ما مرّ به لبنان خلال هذه السنوات، من أزمات وانهيارات وضغوط متتالية، فكيف كان سيكون حال ذلك البلد، وأين كان سيقف شعبه اليوم؟
لعلّ الإجابة وحدها تكفي لندرك حجم صبر اللبناني وقوة احتماله، التي فاقت صبر أيوب.
وهنا تكمن المفارقة الأكبر في الحكاية اللبنانية في أن بلدًا أنهكته الأزمات وأثقلته المحن، لا يزال أبناؤه يكافحون من أجل البقاء.
لقد علّمنا آباؤنا أن نخبّئ القرش الأبيض ليومنا الأسود، فادّخرنا ما استطعنا، وعملنا، وصبرنا، وتحمّلنا.
لكن أحدًا لم يخبرنا ماذا نفعل عندما يصبح العمر كله يومًا أسود.
لقد طال هذا اليوم الأسود أكثر مما ينبغي… ومع ذلك، لا نزال نتمسّك بالأمل، ونقول: لعلّ بعد طول سواد يأتي يومٌ أبيض.
دافيد عيسى
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.