بعد فشل الأمم المتحدة: هل يفتح مجلس السلام باب الخلاص للعالم؟

20

بقلم د. ابراهيم العرب
منذ تأسيسها عام 1945، رُوّج للأمم المتحدة باعتبارها الإطار الأعلى لحفظ السلم والأمن الدوليين، وتجسيداً لحلم البشرية بعالم تحكمه القواعد لا شريعة القوة. غير أن مسار العقود الماضية، ولا سيما السنوات الأخيرة، كشف بوضوح أن هذه المنظمة، رغم اتساع عضويتها ورمزية حضورها، أخفقت في تحقيق جوهر رسالتها. فالحروب لم تتوقف، والصراعات لم تُحل، ودماء الأبرياء ما زالت تُسفك في أكثر من بقعة حول العالم، فيما تقف الأمم المتحدة غالباً في موقع الشاهد العاجز لا الفاعل الحاسم.
أبرز أوجه هذا الإخفاق يتمثل في العجز المزمن عن إنهاء الحروب. من فلسطين، حيث فشلت المنظمة في فرض تطبيق القانون الدولي أو حماية المدنيين أو إنجاز حل الدولتين، إلى استمرار الحرب الروسية‑الأوكرانية، مروراً بالمأساة السودانية، والتوترات المتصاعدة في آسيا، تبدو الأمم المتحدة غير قادرة على ترجمة بيانات القلق وقرارات الإدانة إلى أفعال رادعة. المشكلة ليست في غياب القرارات، بل في غياب الإرادة والآليات التي تضمن تنفيذها.
وهنا تتجلى المعضلة البنيوية الأخطر: لا توجد آلية فعّالة لتنفيذ مقررات مجلس الأمن. فقرارات المجلس، حتى عندما تُتخذ، تبقى رهينة حسابات الدول الكبرى، بلا قوّة تنفيذية مستقلة تفرض الالتزام بها. فلا جيش دولي حقيقي يخضع لسلطة أممية خالصة، ولا منظومة أمن جماعي قادرة على الردع، ولا نظام عقوبات يُطبّق بعدالة واستمرارية. وبهذا، تحوّلت الشرعية الدولية إلى نصوص معلّقة، تُستحضر حين تخدم مصالح الأقوياء، وتُهمل حين تتعارض معها.
ويزداد هذا الخلل عمقاً مع احتكار حق النقض (الفيتو) من قبل خمس دول فقط. فهذا الامتياز، الذي مُنح في سياق تاريخي انتهى منذ زمن، كرس انعدام المساواة داخل النظام الدولي، وجعل مصير شعوب بأكملها مرهوناً بإرادة قلة. فكيف يمكن الحديث عن عدالة دولية حقيقية في ظل نظام يُعطي خمس دول القدرة على تعطيل إرادة المجتمع الدولي بأكمله؟ إن هذا الخلل لم يفرغ الأمم المتحدة من فعاليتها فحسب، بل قوّض أيضاً ثقة الشعوب بها، وفتح الباب أمام البحث عن أطر بديلة أكثر عدلاً ومرونة.
في هذا السياق، يبرز الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوصفه نموذجاً مغايراً في مقاربة قضايا الحرب والسلام. فترامب، بشخصيته الصّلبة ونهجه غير التقليدي، قدّم نفسه كقائد يفضّل النتائج على الشعارات، والفعل على الخطابة. وقدرته على كسر الجمود، والدخول المباشر في صلب الأزمات، مكّنته من المساهمة في إنهاء أو احتواء عدد من النزاعات التي عجزت عنها الدبلوماسية التقليدية لسنوات طويلة.
إن الإشادة بمناقبية ترامب لا تنبع من اختلاف أو اتفاق سياسي، بل من قراءة واقعية لسلوكه القيادي. فهو رجل قرارات صعبة، لا يتردد في استخدام ثقله السياسي والاقتصادي لفرض مسارات جديدة نحو السلام. قوّته لا تكمن فقط في النفوذ الأميركي الذي يمثله، بل في صلابته في التفاوض، ووضوحه في تحديد الأهداف، واستعداده لتحمّل كلفة القرارات الكبرى. لذلك، بات في نظر كثيرين رمزاً لقيادة حاسمة في زمن التردد الدولي.
لقد استطاع ترامب، خلال فترات زمنية قصيرة، أن يفتح مسارات سلام، ويعيد خلط الأوراق في ملفات اعتُبرت مستعصية. وهو، في طرحه لمبادرات جديدة في النظام الدولي، يعكس قناعة مفادها أن العالم لم يعد يحتمل مؤسسات بطيئة ومكبّلة، بل يحتاج إلى أطر قادرة على التحرك السريع واتخاذ القرار وتنفيذه. من هنا، تُفهم الدعوات إلى إنشاء هياكل سلام بديلة أو موازية، تنطلق من الفاعلية لا من البيروقراطية.
وفي قلب هذا المشهد، تبقى غزة الجرح الأكثر إلحاحاً. فهذه البقعة الصغيرة أنهكتها الحروب والحصار والدمار، ولم يعد أهلها يطلبون شعارات ولا بيانات إدانة، بل يطلبون أبسط حقوق الإنسان: السلام، والأمان، والقدرة على العيش بكرامة على أرضهم. غزة اليوم ليست قضية سياسية مجردة، بل مأساة إنسانية مفتوحة، تختصر فشل النظام الدولي بأكمله في حماية المدنيين، ووقف آلة الدمار، وفرض حدٍّ أدنى من العدالة.
لقد أثبتت التجربة أن ترك غزة رهينة للمقاربات التقليدية ولدوّامة القرارات غير المنفذة لا يؤدي إلا إلى تكرار الكارثة. فما دُمّرت بنيته التحتية، وشُرّد أهله، واستُنزفت موارده، لا يمكن أن يُعاد بناؤه بالوعود وحدها. إن غزة بحاجة إلى مشروع سلام حقيقي، لا يكتفي بوقف إطلاق النار، بل يؤسس لاستقرار دائم، وإعادة إعمار شاملة، وأفق سياسي واقتصادي يضمن البقاء لا مجرد النجاة المؤقتة.
هنا تبرز أهمية الدور الأميركي، ليس بوصفه طرفاً دولياً فحسب، بل كقوّة قادرة على التأثير والضغط وصناعة التحوّلات. فالولايات المتحدة، حين تقرر أن تقود، تمتلك من الأدوات السياسية والاقتصادية والأمنية ما يجعل مبادراتها قابلة للتنفيذ لا للاستهلاك الإعلامي. وقد أظهر الرئيس دونالد ترامب، في أكثر من محطة، أنّ لديه الاستعداد لاستخدام الثقل من أجل فرض مسارات جديدة، حتى لو اصطدمت بالمسلّمات القديمة أو واجهت اعتراضات من قوى اعتادت إدارة الأزمات بدل حلّها.
لكن هذا الدّور لا يكتمل من دون شراكة عربية فاعلة. فغزة ليست مسؤولية أميركية وحدها، بل قضية عربية وإنسانية بامتياز. والدعم العربي، سياسياً ومالياً وإنمائياً، يشكّل الركيزة الأساسية لأي مشروع إعادة إعمار أو استقرار طويل الأمد. إنّ التلاقي بين الإرادة الأميركية القادرة على الفعل، والإرادة العربية الحريصة على إنقاذ غزة وأهلها، يمكن أن يصنع معادلة جديدة، تتجاوز عجز الأمم المتحدة، وتفتح باباً حقيقياً للأمل.
إنّ العالم يقف اليوم عند مفترق طرق: إما الاستمرار في نظام دولي أثبت عجزه، تحكمه الامتيازات والفيتوهات، أو الانتقال إلى مرحلة جديدة تُقدَّم فيها الفاعلية على الشكل، والعدالة العملية على الشعارات. وفي هذا السياق، تبدو القيادة القوية، الواضحة، والقادرة على اتخاذ القرار، حاجةً لا ترفاً. قيادة لا تخشى كسر الجمود، ولا تتردّد في مواجهة الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يبدو.
ختاماً، فإن غزة تختصر المعنى الحقيقي لهذه اللحظة التاريخية. فهي تحتاج إلى سلام لا يُقايَض، وأمان لا يُؤجَّل، وإعادة إعمار لا تُربَط بالمساومات. وهذا لن يتحقق إلا بتوافر إرادة دولية جديدة، تقودها الولايات المتحدة، وتساندها الدول العربية، وتتحرر من قيود الآليات العالمية القديمة التي أخفقت في إنصاف الضعفاء. عندها فقط، يمكن الحديث عن أفق سلام جديد، وعن عالم متغيّر تحكمه العدالة الفعلية لا ميزان القوة وحده.
د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.