بيروت منزوعة السلاح: مدخل إلى استعادة الدولة وسيادة القانون – 2
بقلم د. ابراهيم العرب
غير أن القيمة الحقيقية لأي قرار سياسي لا تُقاس بنصّه فحسب، بل بمدى قابليته للتطبيق على الأرض. فالتجربة اللبنانية علّمتنا أن كثيرًا من القرارات المهمة ظلّت حبيسة البيانات الرسمية، لأنها افتقدت إلى الحزم في التنفيذ أو إلى الغطاء السياسي اللازم لاستمرارها. ولذلك، فإن التحدي المطروح اليوم لا يتمثل فقط في إعلان الرغبة في جعل بيروت خالية من السلاح، بل في ترجمة هذه الرغبة إلى خطة أمنية وقضائية وإدارية متماسكة، واضحة المراحل، محددة الأهداف، وقابلة للمتابعة والتقييم.
ومن هنا، فإن الاعتصام القائم قبالة السرايا الحكومية، والذي جاء ردًا على طرح جعل بيروت مدينة خالية من السلاح، لا يمكن قراءته بوصفه مجرد تعبير احتجاجي منفصل عن السياق الأوسع. فهو، من حيث الدلالة السياسية، يعكس طبيعة الاعتراض المتوقع على أي محاولة جدية لإعادة رسم حدود السلطة الشرعية داخل العاصمة. كما أنه يذكّر اللبنانيين، ولو بصورة غير مباشرة، بمحطات سابقة تحوّل فيها الخلاف السياسي إلى توتر أمني خطير، كما حدث في السابع من أيار 2008، حين تداخل القرار السيادي مع توازنات القوة على الأرض. وهذا ما يفرض على الدولة أعلى درجات اليقظة، ليس لقمع الاحتجاج السلمي، بل لمنع أي انزلاق محتمل نحو الفوضى أو الاعتداء على الأملاك العامة والخاصة أو تهديد السلم الأهلي.
أما على المستوى التنفيذي، فإن مقاربة هذا الملف تقتضي، أولًا، حضورًا أمنيًا كثيفًا ومنظّمًا في مختلف أحياء العاصمة، بحيث لا تبقى بعض المناطق خارج الرقابة الفعلية للدولة أو خاضعة لنفوذ مجموعات مسلحة، سواء كانت منظمة أو متفلّتة. ويستوجب ذلك انتشارًا مدروسًا للجيش والقوى الأمنية، وإقامة حواجز ثابتة ومتحركة، وإجراء عمليات تفتيش دقيقة للمستودعات والمخازن والأماكن التي تثير الشبهات بوجود أسلحة فيها. لكن هذا الانتشار، على أهميته، لا ينبغي أن يكون استعراضًا شكليًا، بل يجب أن يندرج ضمن استراتيجية شاملة هدفها تفكيك البنية اللوجستية لانتشار السلاح داخل المدينة، ومنع إعادة إنتاجه تحت عناوين مختلفة.
ولا تكتمل أي خطة أمنية من دون مسار قضائي جدي وموازٍ. فمصادرة الأسلحة وحدها لا تكفي إذا كان حاملوها أو المروّجون لها أو المتورطون في استخدامها يعودون سريعًا إلى الشارع من دون محاسبة فعلية. إن المطلوب، في هذا المجال، هو تفعيل النيابات العامة والمحاكم المختصة، وتطبيق القوانين النافذة بحزم، بما يضمن أن يصبح حمل السلاح خارج الأطر الشرعية فعلًا معاقبًا عليه بصورة جدية لا لبس فيها. فالدولة التي تداهم من دون أن تحاسب، أو تصادر من دون أن تلاحق، إنما ترسل رسالة ضعف لا رسالة قوة، وتؤكد، من حيث لا تريد، أن سلطتها مؤقتة أو انتقائية.
ومن الناحية السياسية والإدارية، يبدو من المنطقي أن تبدأ معالجة هذا الملف من بيروت تحديدًا، لا لأن المناطق الأخرى أقل أهمية، بل لأن العاصمة تمثل القلب الرمزي والمؤسساتي للبلاد. فإذا نجحت الدولة في فرض هيبتها داخل بيروت، أمكنها لاحقًا تعميم النموذج تدريجيًا على سائر المناطق، وفق خطة وطنية متدرجة وواقعية. أما القفز فوق العاصمة أو التعامل معها كحالة استثنائية تُؤجّل معالجتها باستمرار، فليس إلا تكريسًا لفكرة العجز، وإقرارًا ضمنيًا بأن الدولة تقف عند حدود معينة ولا تستطيع تجاوزها. ومن هنا، فإن القرار الحكومي الأخير، وما رافقه من تأييد سياسي ونيابي واسع، يحمل في مضمونه إشارة واضحة إلى ضرورة استعادة سلطة الدولة، بدءًا من محافظة بيروت.
ويكتسب هذا الأمر أهمية إضافية حين نأخذ في الاعتبار المخاطر الناتجة عن وجود عناصر مسلحة أو مخازن أسلحة داخل الأحياء السكنية المكتظة. فحين يُخفى السلاح بين المدنيين، يصبح السكان أنفسهم في دائرة الخطر المباشر، سواء بسبب احتمال اندلاع اشتباكات داخلية، أو نتيجة تعرض تلك المواقع للاستهداف الخارجي. وفي هذا الإطار، فإن إدانة أي اعتداءات إسرائيلية على المناطق المأهولة يجب أن تبقى موقفًا ثابتًا لا لبس فيه، لكن ذلك لا يلغي، في المقابل، المسؤولية الأخلاقية والسياسية المترتبة على كل من يعرّض المدنيين للخطر عبر تحويل الأحياء السكنية إلى غطاء لنشاط مسلح. فحماية الناس لا تكون بالشعارات، بل بإبعادهم فعليًا عن احتمالات التوظيف العسكري والأمني.
ولعل من أخطر ما يطبع المشهد البيروتي اليوم أن السلاح لم يعد حكرًا على التنظيمات الكبرى أو على النزاعات السياسية ذات الطابع الاستثنائي، بل بات جزءًا من الحياة اليومية في بعض المناطق. فهو يظهر أحيانًا في أيدي من يفرضون الخوات أو يبتزّون أصحاب المحال التجارية، وأحيانًا أخرى في نزاعات فردية تبدأ بخلاف مروري بسيط ثم تتطور إلى تهديد مباشر بالسلاح. كما يتصل هذا الواقع بانتشار السلب المسلح، ولا سيما على الدراجات النارية، وبشعور فئات من المواطنين بأن الردع الرسمي إما غائب وإما غير كافٍ. وهذا كلّه يؤكد أن المشكلة لم تعد محصورة في السلاح السياسي أو الحزبي، بل اتسعت لتشمل السلاح المنفلت الذي ينهش الحياة المدنية ويقوّض الإحساس العام بالأمان.
ومن هنا، فإن أحد الإجراءات الأساسية التي ينبغي المباشرة بها دون تأخير يتمثل في إعادة النظر جذريًا في نظام تراخيص حمل السلاح. فالإبقاء على عدد كبير من التراخيص الممنوحة بصورة عشوائية أو فضفاضة يفرغ مبدأ حصر السلاح بيد الدولة من مضمونه العملي. والمطلوب، في هذا الصدد، تقليص التراخيص إلى الحد الأدنى، وحصرها بالحالات الضرورية جدًا، مثل بعض الشركات الأمنية المرخّصة وحماية الشخصيات ضمن ضوابط قانونية صارمة ورقابة دورية فعلية. كذلك ينبغي إنشاء قاعدة بيانات محدثة وشفافة للتراخيص، وإخضاعها للمراجعة المنتظمة، وسحب أي ترخيص لا يستند إلى مبرر أمني مشروع وواضح.
إن مشروع جعل بيروت مدينة منزوعة السلاح ليس شعارًا شعبويًا، ولا إجراءً موجّهًا ضد فئة بعينها، بل هو اختبار فعلي لمدى جدية الدولة اللبنانية في استعادة دورها الطبيعي. فإما أن تكون العاصمة خاضعة للقانون وحده، وإما أن تبقى رهينة التوازنات المسلحة والسلطات الموازية. وفي لحظة يعاني فيها لبنان من أزمات اقتصادية ومؤسساتية خانقة، لا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي أو عن نهوض وطني مستدام ما لم يُحسم، أولًا، سؤال السيادة الداخلية ومرجعية السلاح. لذلك، فإن نجاح هذه المبادرة، إذا ما توافرت لها الإرادة السياسية وآليات التنفيذ الجدية، لن يكون إنجازًا أمنيًا فحسب، بل سيشكّل نقطة تحول في مسار بناء الدولة، ورسالة واضحة بأن بيروت يجب أن تعود مدينةً للحياة والمؤسسات، لا ساحةً للسلاح والفوضى.
د. ابراهيم العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.