بين الصراعات والحوار: أين مصلحة لبنان واللبنانيين؟

120

بقلم دافيد عيسى

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يواجه لبنان سؤالًا مصيريًا:

لماذا يجري تحويل بوصلة الصراع من مواجهة مع إسرائيل إلى اشتباك سياسي داخلي؟

وما الجدوى الوطنية من هذا التحوّل؟

هذا التحوّل يطرح تساؤلات جدية حول الأولويات: هل الهدف حماية لبنان، أم إعادة تنظيم موازين القوى في الداخل؟

ولماذا يُربط وقف إطلاق النار في لبنان أحيانًا بعوامل أو ضغوط خارجية؟

ألا يفتح هذا الطرح الباب أمام نقاش أوسع حول مدى تأثير العوامل الإقليمية في الاستقرار الداخلي؟

وأي رسالة تُوجَّه للبنانيين عندما يُربط أمنهم الوطني بتوازنات خارج الحدود؟

وإذا كان وقف إطلاق النار يُقدَّم كنتاج قرار غير لبناني بالكامل، فإن ذلك يثير تساؤلًا مشروعًا:

إلى أي مدى تعبّر القرارات المصيرية عن إرادة وطنية جامعة؟

إن تداول مثل هذه السرديات، يعزّز الشعور بغياب القرار الوطني الموحّد.

ما نشهده اليوم يتجاوز إطار الخلاف السياسي التقليدي.

إنها متاريس تُبنى بالكلمات بدل الحجارة، وسجالات حادة تُضعف الثقة بدل أن تعزّزها.

والنتيجة أن اللبناني بات يتوجّس من رأي الآخر، بدل أن يراه شريكًا في المصير.

التجارب السابقة كانت كافية لتأكيد حقيقة أساسية:

لا أحد في هذا البلد قادر على إلغاء الآخر، ولا فريق يستطيع أن يحكم أو يقرّر منفردًا.

وكل محاولة لخلخلة التوازن الداخلي سرعان ما تنعكس سلبًا على الجميع.

من هنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:

ألم يحن الوقت لإعادة توجيه النقاش من معارك الداخل إلى بناء موقف وطني جامع يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار؟

ألم يحن الوقت للاعتراف بأن استقرار لبنان لا يُستورد، بل يُبنى بإرادة أبنائه؟

الحوار ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية.

هو الإطار القادر على إنتاج حلول واقعية، وإعادة بناء الثقة بين اللبنانيين، وتعزيز العلاقة بين المواطن والدولة.

ومن هنا، تبرز أهمية الانتقال من الدعوة إلى الحوار إلى تحديد آلياته ومضامينه.

فالمطلوب أن تبادر الدولة اللبنانية إلى إطلاق حوار صريح وهادئ مع حزب الله، يقوم على منطق الدولة ومؤسساتها، وعلى قراءة واقعية للتطوّرات الإقليمية والتوازنات المستجدة، مع مقاربة شفافة لما قد يترتّب على أي خيار من نتائج وتحديات.

كما يكتسب البحث في مسألة توحيد القرار المتعلّق بالحرب والسلم أهمية خاصة، بما يطمئن جميع اللبنانيين ويعزّز الشعور بالشراكة الوطنية.

لبنان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من المتاريس، بل إلى جسور.

لا يحتاج إلى مزيد من التباعد، بل إلى مساحات لقاء تُعيد الاعتبار لفكرة الشراكة الوطنية.

في النهاية، يبقى السؤال الذي لا يمكن تجاهله:

هل نمتلك الإرادة للانتقال من منطق المواجهة إلى منطق الدولة؟

دافيد عيسى

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.