بين قمتَي بكين وواشنطن وموسكو: حدود الدبلوماسية الثلاثية/2

14

المحامي  أسامة العرب

بينما تناولت القمة الصينية ـ الأميركية مواضيع عديدة، شملت التجارة والاستثمار وتايوان، ذلك أن هذه الملفات ترتبط بجوهر التنافس الأمريكي ـ الصيني على القيادة العالمية. ورغم التوترات، تبقى العلاقة الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة ضخمة ومتشابكة. ففي 2025، بلغ حجم التجارة 414.7 مليار دولار، أي ما يوازي ضعف التجارة الصينية ـ الروسية التي بلغت 234 مليار دولار، مما يعكس أهمية العلاقة الاقتصادية التي لا يمكن تجاهلها.

كما أن التبادل التعليمي والثقافي شهد عمقاً إضافياً، حيث لا يزال عدد الطلاب الصينيين في الولايات المتحدة يتجاوز بكثير عددهم في روسيا، مما يدل على استمرار الجاذبية الأمريكية العلمية رغم التوترات. إلا أن الكثافة الاقتصادية والتعليمية لا تعني وجود تقارب استراتيجي. بل على العكس، يسعى كل طرف لتقليل اعتماده على الآخر في المجالات الحساسة. فبينما تسعى الولايات المتحدة للحدّ من صعود الصين، تعمل بكين على تقليص حساسيتها أمام العقوبات الأمريكية. بمعنى آخر، فإن القمة ليست بداية مُصالحة كبرى، بل محاولة لإدارة التنافس.

على الجانب الآخر، بدت قمة شي وبوتين أكثر انسجاماً، فهي ترتبط بسلسلة متواصلة من اللقاءات بين الزعيمين. ويعكس هذا التكرار مستوى عالياً من التنسيق والثقة، على الأقل في مواجهة الغرب. وكان الجانبان حريصين على تقديم الشراكة الصينية ـ الروسية كقوة لاستقرار عالمي، في مواجهة “الأحادية الأمريكية”. وهذا ليس مجرد خطاب دعائي، بل تعبير عن رؤية مشتركة تؤكد على انتهاء الهيمنة الأمريكية.

ورغم تباين العلاقات، تتمتع الصين وروسيا بالقدرة على إدارة خلافاتهما. فالصين أكثر حذراً، بينما روسيا أكثر استعداداً لمواجهة الغرب على إثر العقوبات التي تلت الحرب الأوكرانية. ومع ذلك، يتّفق الطرفان على ضرورة تقليص النفوذ الأميركي. لذا، يصف المسؤولون الصينيون هذه الشراكة بـ “حجر ثقل” للسلام. وقد عبر وو داهوي من جامعة تسينغهوا عن هذا الربط كجسد واحد، وهو تصور صيني لنوع العلاقات المتينة مع موسكو.

وعليه، يُثار التساؤل هنا: هل تستطيع الولايات المتحدة استغلال الفروق بين الصين وروسيا لإحداث فرقة بينهما؟ نظرياً، هناك اختلافات بين بكين وموسكو. فالصين قوة اقتصادية مرتبطة بالسوق الدولية وتحتاج للاستقرار، بينما تعتمد روسيا على أدوات الجغرافيا السياسية. لكن عملياً، لا تكفي هذه الفروق لصناعة شرخ استراتيجي. فكلما زاد الضغط على الصين، تعززت حاجتها لترسيخ العلاقة مع روسيا. وبذلك، فإن الدبلوماسية الثلاثية التي نجحت في السبعينيات صعبة التكرار اليوم. حيث أن الصين لا تخشى الروس الآن بقدر خوفها من الولايات المتحدة، التي تحتل موقع التحدي الأكبر لصعودها.

كما تكشف القمتان أنه لا يوجد نظام ثنائي قطبي تقليدي، بل نظام دولي انتقالي يتداخل فيه الاقتصاد مع التكنولوجيا. حيث تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على موقع القيادة، بينما تسعى الصين لتوزيع القوة العالمية بما يتماشى مع قوتها، وتعمل روسيا على منع هيمنة واشنطن. وتهدف القوى الإقليمية مثل إيران وتركيا لاستغلال هذا التنافس لصالحها.

لذا، تفهم قمتي بكين ضمن الصراع المتعلق بالنظام العالمي الجديد. القمة الصينية ـ الأمريكية تبحث إدارة التنافس، فيما تسعى القمة الصينية ـ الروسية لبناء جبهة ضد الهيمنة الغربية. وبين هذين الاتجاهين، تتحرك بكين بحذر، مستفيدة من علاقتها مع واشنطن ولكن دون المساس بشراكتها مع موسكو.

وفي النهاية، تمثل القمة الصينية ـ الأمريكية خطوة نحو تهدئة التوتر، لكنها لا تلبي الاحتياجات الاستراتيجية لإعادة تشكيل العلاقة بين بكين وموسكو. بينما تبدو القمة الصينية ـ الروسية أكثر وضوحاً في التنسيق. لذلك، فإن آفاق الدبلوماسية الأميركية في بكين تبدو محدودة. فواشنطن ترغب في أن تكون الصين جسراً للضغط على روسيا، لكن بكين لا ترى مصلحة في إضعاف شريكها، وتدرك أن التنافس معها طويل الأمد ولا يرتبط بشخصيات معينة.

والعالم الذي يتشكل اليوم ليس عالماً يعود فيه النفوذ لأي قوى بمفردها، بل هو عالم تتسابق فيه القوى الكبرى لتحديد قواعد النظام الدولي. وفي هذا السياق، تميل الصين نحو دبلوماسية متوازنة: تتفاوض اقتصادياً مع واشنطن وتنظم سياسياً مع موسكو. ولذلك، لم يعد السؤال هو ما إذا كانت الصين ستختار بين واشنطن وموسكو، بل كيف ستُدار العلاقات معهما بما يسهم في تطلّعاتها الأوسع نحو أن تصبح دولة محورية في نظام عالمي متعدد الأقطاب.

المحامي  أسامة العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.