حديث الجمعة_رعاية الحقوق واجب ديني
المهندس بسام برغوت
ترتبط الحقوق في الإسلام بالعقيدة والإيمان بالله، ويقوم المجتمع الإسلامي على رعايتها لإقامة العدل، وصيانة الكرامة الإنسانية، وتنظيم العلاقة بين الإنسان وربه، وبينه وبين غيره من الأفراد والمجتمع، وقد جاءت النصوص الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية لتؤكد أن الحقوق ليست منحة من البشر، وإنما هي أحكام إلهية واجبة الرعاية والحفظ. ومن هنا تبرز أهمية دراسة مفهوم رعاية الحقوق في الإسلام، وبيان أسسه ومجالاته وآثاره في حياة الفرد والمجتمع.
ومن أهم خصائص الحقوق في الإسلام أنها شاملة ومتوازنة، فهي تشمل حقوق الله تعالى، وحقوق الإنسان تجاه نفسه، وحقوق الآخرين من أفراد ومجتمعات. فحقوق الله تتمثل في العبادة والطاعة، كما قال تعالى: “ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” (سورة الذاريات).
أما حقوق النفس فتشمل حفظها من الهلاك، وصيانة العقل والجسد، وعدم الإضرار بهما.
وأما حقوق الآخرين فتتضمن حقوق الوالدين، والأقارب، والجيران، والفقراء، وسائر أفراد المجتمع على مبدأ العدل، الذي يُعدّ أساس الحكم والتشريع. قال تعالى: “ إن الله يأمر بالعدل والإحسان” (سورة النحل ) ولا يقتصر العدل على القضاء فقط، بل يشمل معاملة الصديق والعدو، والقوي والضعيف. وهذا يدل على عمق الاهتمام الإسلامي بحفظ الحقوق ومنع الظلم.
ومن أعظم الحقوق الإنسانية حفظ حق الحياة،. فقد حرّم الإسلام قتل النفس بغير حق، وعدّ ذلك من أكبر الجرائم، قال تعالى: “ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق” ( سورة الأنعام). ويشمل هذا الحق تحريم الاعتداء الجسدي، ووجوب توفير الأمن، وضمان سلامة الإنسان في المجتمع. كما شرع الإسلام العقوبات الرادعة لحماية هذا الحق وصيانته.
كما اهتم الإسلام برعاية حق الكرامة الإنسانية، فحرّم الإهانة والسبّ والسخرية، ونهى عن التمييز بين الناس على أساس اللون أو النسب أو المال. قال تعالى: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم” ( سورة الحجرات). وهذا يؤكد أن معيار التفاضل في الإسلام هو التقوى والعمل الصالح، وليس أي اعتبار آخر.
ومن الحقوق التي أكد عليها الإسلام حق الملكية، حيث أقرّ حق الفرد في التملك المشروع، وحرم الاعتداء على أموال الناس بالباطل. قال تعالى: “ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل “ (سورة البقرة).
ومن الجوانب المهمة في رعاية الحقوق، اهتمام الإسلام بحقوق الأسرة، إذ جعل الأسرة نواة المجتمع، وأقامها على أسس من المودة والرحمة. قال تعالى: “ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة “ ( سورة الروم ). وقد بيّن الإسلام حقوق الزوجين، وحقوق الأبناء، وحقوق الوالدين، وأوجب الإحسان إليهم، مما يحقق الاستقرار الأسري والاجتماعي.
كما لم يغفل الإسلام عن رعاية حقوق الفئات الضعيفة في المجتمع، كالفقراء، واليتامى، والمساكين، وذوي الاحتياجات الخاصة. فقد حثّ على كفالتهم ورعايتهم، واعتبر ذلك من أعظم القربات. قال تعالى: “وأما اليتيم فلا تقهر” (سورة الضحى ). وهذا يعكس البعد الإنساني العميق في التشريع الإسلامي، وحرصه على تحقيق التكافل الاجتماعي .
وتظهر أهمية رعاية الحقوق في آثارها الإيجابية على الفرد والمجتمع، فهي تحقق الأمن والاستقرار، وتنشر الثقة بين الناس، وتحدّ من النزاعات والظلم. كما تسهم في بناء مجتمع متماسك تسوده القيم الأخلاقية والإنسانية. وعندما تُهمل الحقوق، ينتشر الفساد وتتفكك العلاقات الاجتماعية. ومن الجوانب المهمة التي تؤكد رعاية الحقوق في الإسلام ما ورد في السنة النبوية الشريفة، إذ جاءت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم مبيّنة ومفسّرة لمقاصد الشريعة في حفظ الحقوق وصيانتها. فقد كان صلى الله عليه وسلم قدوة عملية في احترام حقوق الناس، مسلمين وغير مسلمين، كبارًا وصغارًا، رجالًا ونساءً.
ومن أبرز الأحاديث النبوية في هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: “ المسلم من سلم الناس من لسانه ويده”. فهذا الحديث يؤكد حق الإنسان في الأمان، سواء من الأذى اللفظي أو الجسدي، ويبيّن أن الإيمان الحقيقي يرتبط بحفظ حقوق الآخرين وعدم الاعتداء عليهم. كما أكد النبي صلى الله عليه وسلم على خطورة الظلم وانتهاك الحقوق، فقال في الحديث القدسي: “ يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّمًا فلا تظالموا” . وهذا الحديث يبيّن أن الظلم بجميع صوره مرفوض شرعًا، وأن الله تعالى توعّد الظالمين، مما يجعل رعاية الحقوق واجبًا دينيًا لا يجوز التفريط فيه.
ختاماً ،
يمكن القول إن مفهوم رعاية الحقوق في الإسلام مفهوم شامل ومتكامل، يستمد جذوره من العقيدة، ويهدف إلى تحقيق العدل والكرامة الإنسانية. وقد جاءت الشريعة الإسلامية بنظام متوازن يحفظ حقوق الله وحقوق العباد، ويقيم مجتمعًا قائمًا على الرحمة والتعاون. وإن تطبيق هذه المبادئ في واقع الحياة كفيل بإصلاح الأفراد والمجتمعات، وتحقيق السعادة في الدنيا والآخرة. ومن الخصائص المميزة لمفهوم الحقوق في الإسلام ارتباطه بالواجبات، فلا يُنظر إلى الحق بمعزل عن المسؤولية. فلكل حق واجب يقابله، مما يحقق التوازن ويمنع الفوضى. فحرية الفرد مثلًا مقيدة بعدم الإضرار بالآخرين، وحقه في التعبير لا يبرر الإساءة أو الظلم. وهذا التوازن من أعظم ما يميز التشريع الإسلامي.
المهندس بسام برغوت
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.