حديث رمضان_من مدرسة رمضان

3

الشيخ زياد الصاحب
رئيس جمعية الفتوه وعضو المجلس الشرعي الاسلامي الاعلى
نعم إننا في مدرسة الثلاثين يوماً، ودرسنا اليوم التآخي الإنساني من خلال الصيام الرمضاني.
يقول الله تبارك وتعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
يُخبرنا المولى عز وجل بأنه قد كَتَبَ الصوم على أصحابِ الشرائع السابقة وجعله فرضاً من فرائضها لما يتحققُ فيه من التقوى الإيمانية، والتربية الأخلاقية الراقية، والوقاية الصحية أيضاً.
ولعلّ الله تعالى يريدُ إخبارنا وبمفهوم ضمني يدركُه كل من يتعمق في تحليل الآية، أن الدين واحد، واحدٌ في مصدره، وفي أصوله ومقاصده، وأن الرسلَ جميعاً قد اغترفوا من ينبوع واحد، وأن التفريق بينهم إفتراءٌ على الحق.
قال الله سبحانه في القرآن الكريم: (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ).
وفي سورة الشورى يقول سبحانه : ( شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ).
إن القرآن الكريم أمرنا وفي مواضع عديدة أن نؤمن بجميع الأنبياء والمرسلين وإن نحبهم وخصوصاً عيسى وموسى.
يقول الله تبارك وتعالى: ( قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ).
ويقول سبحانه في سورة البقرة: ( وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ).
صحيح ان الله تعالى قد ترك تحديد الذين كُتب عليهم الصيام، من الامم السابقة، ولكن مما لا شك فيه ان المقصود بالآية، أصول البشرية،وأصول المتدينين، ومنهم سيدنا نوح وقومه الذين أخذوا عنه، ثم سيدنا إبراهيم وذريته إسماعيل وإسحاق ويعقوب ومن أخذ عنهم من الأمم والشعوب.
وهكذا فإن الإسلام يؤكد أن الرسالات السماوية يكمل بعضها بعضاً، فكل نبي أتى مقراً برسالة من قبله ومضيفاً عليها ومبشراً بنبي يأتي من بعده، وهذا المعنى يظهر جلياً في سورة الانبياء في القرآن الكريم، حيث يقصُّ الله علينا سيرتهم وجهادهم في دعوة أقوامهم، من إبراهيم عليه السلام إلى إسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وداوود وسليمان وسيدنا عيسى إبن مريم وسيدنا محمد عليه وعليهم الصلاة والسلام.
وفي نهاية المطاف تختم الآيات القرآنية هذه السيرة العطرة. مبيّنة أن الغاية هي توحيد جميع أفراد العائلة الإنسانية تحت مظلة الإيمان بالله وحده تعالى (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)
ويشير النبي سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام أن بناء صرح هذا الدين اكتمل بمساهمة كل نبي بوضع حجر فيه، وأنه قد بقي موضع لبنة واحدة، فكان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو تلك اللبنة الاخيرة.
حيث قال صلى الله عليه وسلم: ” مثلي ومثلُ الأنبياء قبلي، كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه إلا موضع لبنة فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلاّ وضعتْ هذه اللبنة، فأنا تلك اللبنة وأنا خاتم الانبياء”. صلى الله عليه وسلم.
ونظراً لأن الاسلام أتى موحدا للبشرية ومنادياً بالإيمان بجميع الانبياء والرسل ورسالاتهم وألحّ على إثبات حقوق الانسان وخاصة حرية المعتقد، فقد فتح الباب للشعوب بالدخول فيه أفواجا كلهم يؤمنون بنبوة هولاء الانبياء جميعاً.
ومن عظيم تعاليم ديننا، أن الله سبحانه وتعالى كرّس تكريم الإنسان في القرآن الكريم وهو دستور الإسلام، فقال جل جلاله في سورة الإسراء ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾.
وكذلك كرس الإسلام حرية الانسان ومن ضمنها حرية المعتقد، فقال الله سبحانه في القرآن الكريم في سورة البقرة: ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ).
وبلغ من عظيم إيمان المسلمين بالله تعالى وإلتزامهم بمبادئه، إن الفاروق سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه اطلق صرخته المدوّية عبر التاريخ فقال : (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً).
وهكذا سبق الإسلام بألف وثلاثمائة سنة، حضارة الغرب التي أقرت شرعة حقوق الإنسان في القرن العشرين منذ مائة سنة تقريباً، واقتبست المدنية الغربية من سيدنا عمر أول بند من شرعة حقوق الإنسان والذي ينص: “إن الناس يولدون أحراراً.”
الشيخ زياد الصاحب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.