«حماس» وشروط المنتصر

61

بقلم خيرالله خيرالله

لا تستطيع «حماس»، ومن يقف وراء «حماس» كإيران مثلا، الإفلات من واقع قائم على الأرض. يتمثّل هذا الواقع في أن قطاع غزّة دمّر تدميرا كاملا من جهة وأنّ العودة إلى «الإمارة الإسلاميّْة» في قطاع بات أمرا مستحيلا من جهة أخرى. تريد «حماس» قي الوقت الحاضر وقفا دائما لوقف النار. حسنا، ما دام كان هذا المطلب هدفا بحدّ ذاته، لماذا كان هجوم «طوفان الأقصى» أصلا؟ هل من دولة أو قوّة عسكريّة أو سياسية تقدم على مثل الهجوم، الذي هزّ إسرائيل وأدخلها في حال هستيريّة، لا تأخذ في الإعتبار سلفا النتائج التي يمكن أن تترتب على مثل هذا الهجوم؟

يكمن الفشل الحقيقي لـ»حماس» في زجها غزّة في حرب لن تقوم منها ثمّ في غياب أي مشروع سياسي قابل للحياة لديها، باستثناء التفاوض مع إسرائيل بعد إحتجاز عدد من الرهائن. ليس معروفا هل الرهائن التي لدى «حماس» ما زالت ورقة قويّة في يدها.

الأهمّ من ذلك كلّه، ما ظهر، على السطح، بعد بدء حرب غزّة التي دخلت شهرها السادس والتي يبدو أنّها مستمرّة أشهرا أخرى. ظهر أن الطرف الوحيد الذي يمتلك مشروعا سياسيا للمنطقة هو «الجمهوريّة الإسلاميّة» في إيران التي تستخدم ورقة «حماس» وورقة غزّة وورقة العراق وسوريا ولبنان واليمن، المطلّ على البحر الأحمر. تستخدم إيران كلّ هذه الأوراق  لإثبات أنّها الجهة الوحيدة التي أعدّت نفسها لتكون في مستوى التفاوض مع الولايات المتحدة في شأن صفقة شاملة في منطقتي الشرق الأوسط والخليج.

نجد حاليا أنّ هناك قزارا إسرائيليا واضحا بالإنتهاء من غزّة في غياب القدرة على الإنتهاء من «حماس» التي لم تعد تجد مكانا تذهب إليه غير طهران، فيما القادة الأساسيون لـ»حماس» في الداخل، مثل يحيى السنوار ومحمّد ضيف، في خنادق تحت الأرض في غزّة نفسها. كانت نتيجة «طوفان الأقصى»، على آرض الواقع، تدميرا إسرائيليا ممنهجا لغزّة. لا يستطيع إعادة إعمار قطاع غزّة في يوم من الأيّام سوى الدول العربيّة الخليجيّة بمشاركة مصريّة وغطاء من المجتمع الدولي، على رأسه الولايات المتحدة، مع إسرائيل المختلفة طبعا. المقصود هنا إسرائيل ما بعد بنيامين نتانياهو، إسرائيل العاقلة التي تعرف أنّ ليس في استطاعتها تصفية القضيّة الفلسطينية أو التخلّص من الشعب الفلسطيني الذي لا تمثّله «حماس» بأي شكل، خصوصا بعدما عرف الفلسطينيون وأدركوا أنّ لا مشروع سياسيا قابلا للحياة لدى الحركة.

هل تظنّ «حماس» أنّ القوى التي تستطيع إعادة إعمار غزّة في المرحلة المقبلة، التي لا يمكن تحديد موعد لها، تقبل بعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل السابع من تشرين الأوّل – أكتوبر 2023  تاريخ حصول «طوفان الأقصى»؟ لا عودة إلى ما قبل «طوفان الأقصى»، خصوصا أنّه لا توجد دولة عربيّة تريد شنّ حرب على إسرائيل، كما لا توجد دولة عربيّة تقبل بشنّ مثل هذه الحرب بتوقيت حمساوي أو إيراني. أكثر من ذلك، غيّر «طوفان الأقصى» إسرائيل كلّيا من داخل. إسرائيل التي عرفناها لم تعد موجودة.

تسعى «حماس» في الوقت الراهن إلى وقف دائم للنار ولإنسحاب إسرائيلي من القطاع. في الوقت ذاته لا تدرك «حماس» أنّها لم تنتصر في حرب غزّة كي تفرض شروطا معيّنة، أي شروط المنتصر. في الوقت ذاته، لا همّ لدى إيران غير تحقيق مكاسب وتسجيل نقاط بغض النظر عمّا يحل بغزّة ومواطنيها. ما يدعو إلى الأسف، فشل الجهود العربيّة من أجل وقف حرب غزّة تمهيدا للبحث عن تسوية سياسية تضع حدّا للمأساة الناجمة عن «طوفان الأقصى» ورد الفعل الإسرائيلي الذي فاق بوحشيته كلّ تصوّر.

يكشف تطور الأحداث إلى أي حد تبدو إيران مستعدة للذهاب في استغلال حرب غزّة والحروب التي تشنها بالواسطة في أماكن أخرى. تؤكّد ذلك الهجمة التي تتعرّض لها المملكة الأردنيّة الهاشمية في هذه الظروف بالذات. توجد محاولة مشتركة للإخوان المسلمين في الأردن، بالتفاهم مع «حماس»… و»الجمهوريّة الإسلامية» في طبيعة الحال، من أجل زعزعة الاستقرار في المنطقة. يعود ذلك إلى أن الأردن، بقيادة الملك عبدالله الثاني، رأس حربة في السعي إلى بلورة مشروع سياسي لمرحلة ما بعد غزّة على أساس حلّ الدولتين. يكشف هذا التحرّك المشترك للإخوان المسلمين و»حماس»، بالتفاهم مع «الجمهوريّة الإسلاميّة» العلاقة القائمة بين «الممانعة» ورافعي شعار «وحدة الساحات» مع اليمين الإسرائيلي. تقوم هذه العلاقة على إستمرار حرب غزّة، كما يريد بنيامين نتانياهو والعمل على ضرب ما بقي من استقرار في المنطقة في الوقت ذاته.

أكثر من أي وقت، تبدو الحاجة إلى تحرّك عربي فعال بدل ترك «حماس» تتصرّف بطريقة توحي بأن في استطاعتها تحقيق أوهامها. يفرض مثل هذا التحرّك العربي الوقوف بحزم مع الأردن ومع الهجمة التي يتعرّض لها من الإخوان المسلمين والحمساويين الذين ليسوا سوى جزء من هذا التنظيم. بكلام أوضح، لا مكان لأي تردّد في إتخاذ موقف واضح من إستمرار حرب غزّة أو العمل جدّيا من أجل وقفها. كذلك، لا مكان لأي تهرّب من تسمية الأشياء باسمائها، بما في ذلك العودة إلى ممارسات «حماس» منذ توقيع إتفاق أوسلو في العام 1993 والحلف غير المقدّس الذي قلم بينها وبين اليمين الإسرائيلي…

في حال ليس مطلوبا التذكير بالعمليات الإنتحاريّة لـ»حماس» في مرحلة ما بعد أوسلو، تكفي العودة إلى مرحلة ما بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزّة صيف العام 2005. كانت هناك فرصة لتحويل غزّة إلى منطقة مزدهرة تنتصر فيها ثقافة الحياة على ثقافة الموت. حوّلت «حماس» غزّة إلى سجن في الهواء الطلق بالتفاهم مع إسرائيل التي احكمت حصارها على القطاع. أليس ذلك كافيا لبلوغ خلاصة فحواها أنّ أقصى ما يمكم لـ»حماس» تحقيقه هو نكبة أخرى للشعب الفلسطيني بدءا بالتسبب بتدمير غزّة؟

خيرالله خيرالله

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.