حَدِيِثُ الجُمُعَةِ – نفحات رمضان قبل قدومه: فرصة لا تُعوَّض
بقلم المهندس بسام برغوت
يُقبل شهر رمضان على قلوب المؤمنين حاملًا معه نفحاتٍ إيمانية عظيمة، تسبق قدومه أيامٌ مباركة تُعدّ بمثابة التهيئة الربانية لاستقبال هذا الضيف الكريم. فالأيام التي تسبق رمضان ليست أيامًا عادية، بل هي مواسم للطاعة، ومقدمات روحية تُنذر القلوب بقرب شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار. وقد كان السلف الصالح يدركون قيمة هذه الأيام، فيغتنمونها استعدادًا لرمضان، لأن النفوس لا تنتقل فجأة من الغفلة إلى الطاعة، بل تحتاج إلى تمهيد وتدرّج.
إن الأيام التي تسبق رمضان هي فرصة لإيقاظ القلب من سباته، وإعادة ترتيب الأولويات، وتجديد العهد مع الله تعالى الذي يفتح لعباده أبواب الخير قبل دخول المواسم العظيمة، ليكونوا أقدر على اغتنامها. وقد أشار القرآن الكريم إلى عظمة شهر رمضان بقوله تعالى:”شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ” (سورة البقرة). وإذا كان الشهر بهذه المنزلة، فإن الاستعداد له يعدّ من كمال الفقه وحسن التوجّه إلى الله.
ومن نفحات رمضان قبل قدومه أن يشعر المؤمن برقّةٍ في قلبه وحنينٍ إلى الطاعة، وكأن الروح تُنادى للاستعداد لهذا الشهر العظيم. فهذه المشاعر ليست أمرًا عابرًا، بل هي توفيق من الله لعباده ليتهيؤوا للقرب منه. وكلما أحسن الإنسان استقبال هذه النفحات بالمبادرة إلى الخير، ازداد قلبه صفاءً واستعدادًا، لأن القلوب إذا أُهملت قست، وإذا ذُكّرت لانَت واستجابت.
كان الصحابة رضي الله عنهم يعيشون مع رمضان قبل أن يدخل، ويستعدّون له بقلوبهم وأعمالهم. فقد كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أخرى أن يتقبله منهم.. لم يكونوا ينتظرون الشهر ليبدؤوا التوبة والطاعة، بل كانوا يسبقونه بالاستغفار، والإكثار من النوافل، وتعويد النفس على الصيام والقيام وقراءة القرآن.
ومن مظاهر استعداد الصحابة لرمضان أنهم كانوا يحرصون على صفاء القلوب قبل دخوله، فيتجنبون الخصومات، ويسعون إلى إصلاح ذات البين، لأنهم يعلمون أن القلب المشغول بالحقد والضغينة لا يتذوق حلاوة العبادة. كما كانوا يربّون أنفسهم على الصبر وضبط الشهوات، ليكون الصيام في رمضان امتدادًا لما تعوّدوا عليه، لا عبئًا ثقيلًا عليهم.
تهيئة النفس روحيًا قبل رمضان تبدأ أولًا بالتوبة الصادقة، وهي الباب الذي لا يُغلق، وأول درجات الاستعداد. فيقف المسلم مع نفسه وقفة صدق، يراجع أعماله، ويستغفر عن تقصيره، ويعزم على بداية جديدة. قال الله تعالى: “وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” (سورة النور). فكيف يُقبل العبد على شهر المغفرة وقلبه مُثقل بالذنوب دون توبة؟
كما أن من التهيئة الروحية الإكثار من ذكر الله وقراءة القرآن قبل رمضان، لأن القرآن هو رفيق هذا الشهر، ومن اعتاد عليه قبله سهل عليه الإكثار منه فيه. فالقلوب مثل الأرض، إن لم تُهيَّأ بالبذر والسقي، لم تُثمر عند الحصاد. ومن هنا، كان السلف يعوّدون أنفسهم على القرآن في رجب وشعبان، حتى إذا دخل رمضان، انفتحت قلوبهم له بسهولة وخشوع.
ولا تكتمل التهيئة الروحية دون تهذيب النفس من الأخلاق السيئة، كالغضب، والرياء، وحب الظهور، وكثرة الكلام فيما لا ينفع. فالصيام ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فقط، بل هو تربية للنفس على التقوى، كما قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” (سورة البقرة). والتقوى تحتاج إلى قلب حيّ ونفس مهذبة.
أما التهيئة النفسية قبل رمضان، فهي لا تقل أهمية عن التهيئة الروحية. فكثير من الناس يدخلون رمضان وهم مثقلون بالقلق والتوتر، أو ينظرون إليه على أنه شهر مشقّة وحرمان، لا شهر قرب وطمأنينة. لذلك، من المهم أن يغيّر الإنسان نظرته إلى رمضان، فيستقبله بالشوق والفرح، لا بالضجر والتثاقل. قال الله تعالى: “قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا” (سورة يونس)، ولا فضل أعظم من أن يبلّغ الله عبده رمضان.
ومن التهيئة النفسية أيضًا تنظيم الوقت وترتيب الأولويات قبل دخول الشهر، فالعشوائية تضيّع بركة الأيام. على الإنسان أن يخطط لعبادته، ويحدد أوقاتًا للقرآن، والذكر، والقيام، وصلة الرحم، حتى لا يمرّ رمضان سريعًا دون أثر حقيقي في حياته. وقد كان السلف يكرهون أن يدخل عليهم رمضان وهم بلا نية واضحة أو هدف محدد .
إن نفحات رمضان قبل قدومه هي رسائل ربانية تذكّرنا بأن المواسم العظيمة لا تُنال بالتمنّي، بل بالاستعداد. فمن استقبل رمضان بقلبٍ حاضر، ونفسٍ مهيّأة، كان حظه منه أعظم، وأثره في حياته أعمق. أما من دخل الشهر كما هو، دون توبة أو استعداد، فقد يخرج منه دون أن يتغير شيء في قلبه، إلا تعب الجسد.
ختاماً ،
أكثروا من الدعاء بأن يبلّغنا الله الشهر ونحن في أحسن حال، وأن يعيننا فيه على الصيام والقيام وغضّ البصر وحفظ اللسان. فالدعاء يفتح أبواب التوفيق، ويجعل العبد معتمدًا على الله لا على قوته فقط. وقد قال الله تعالى: “وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ” (سورة غافر)، فكان السلف يرون أن التوفيق في رمضان يبدأ بدعوة صادقة قبله. فإن الأيام التي تسبق رمضان هي فرصة لا تُعوَّض لمن أراد أن يجعل من هذا الشهر نقطة تحوّل حقيقية في حياته. هي أيام لمراجعة النفس، وتجديد الإيمان، والاستعداد لضيافة الله.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.