روسيا: الخليج بديل استراتيجيّ لتخفيف المخاطر الإيرانيّة
بقلم إيمان شمص
«أساس ميديا»
في ظلّ التهديد المتكرّر بمواجهة إيرانيّة – أميركيّة وتداعياتها المحتملة على النظام التجاريّ العالميّ، ومع تصاعد المخاطر الجيوسياسيّة وتراجع موثوقيّة بعض الممرّات الحيويّة، وفي مقدّمها قناة السويس، إضافة إلى تصاعد التهديدات العسكريّة في الشرق الأوسط، تعيد روسيا صياغة استراتيجيتها في مجالات النقل والتجارة والربط اللوجستيّ.
تعمل موسكو على توسيع شبكة ممرّاتها الدوليّة لتشمل دول الخليج العربي، في خطوة تهدف إلى تقليل الاعتماد الحصريّ على المسارات العابرة لإيران، وبناء منظومة أكثر مرونة وقدرة على الصمود في وجه العقوبات، التوتّرات العسكريّة، واضطرابات سلاسل الإمداد العالميّة.
بحسب تقرير صادر عن موقع “تحوّل روسيا نحو آسيا”، الذي يعرّف عن نفسه بوصفه منصّة إخباريّة وإحصائيّة محايدة سياسيّاً توثّق انتقال أحد أكبر اقتصادات العالم من الغرب إلى الجنوب العالميّ، تطوِّر موسكو نسخة أكثر تنوّعاً من ممرّ النقل الدوليّ “شمال – جنوب (INSTC)” عبر دمج موانئ ومراكز لوجستيّة في سلطنة عُمان، الإمارات العربيّة المتّحدة، السعوديّة، البحرين، وقطر. يهدف هذا التوسّع إلى فتح آفاق جديدة للربط بين أوراسيا وجنوب آسيا وشرق إفريقيا والأسواق العالميّة.
إيران شريك محوريّ لكن محفوف بالمخاطر
يشير التقرير إلى أنّ التجارة بين روسيا ودول مجلس التعاون الخليجيّ شهدت قفزة نوعيّة منذ عام 2022، إذ تجاوز حجم التبادل التجاريّ 15 مليار دولار، مع توقّعات بمزيد من النموّ خلال السنوات المقبلة. يعكس هذا التطوّر توجّهاً سياسيّاً واقتصاديّاً واضحاً لتعميق الشراكات في مجالات الطاقة، اللوجستيات، التكنولوجيا، السياحة، والاستثمار الصناعيّ.
يرى التقرير أنّ دول الخليج باتت تنظر إلى التعاون مع روسيا كعنصر أساسيّ في استراتيجيات تنويع الاقتصاد، في ظلّ نظام دوليّ متعدّد الأقطاب، لم يعُد فيه الاعتماد الحصريّ على الغرب كافياً لضمان الاستقرار الاقتصاديّ وسلاسل التوريد. تؤكّد الزيارات الرفيعة المستوى، مثل زيارة سلطان عُمان، أمير قطر، ورئيس دولة الإمارات، أنّ العلاقات الروسيّة – الخليجيّة تنتقل من إطارها الظرفيّ إلى شراكات استراتيجيّة طويلة الأمد. مع تصاعد النزعات الحمائيّة عالميّاً، بات قادة الخليج يعتبرون الانخراط المنظّم مع روسيا جزءاً من تعزيز المناعة الاقتصاديّة في عالم يتّجه نحو التعدّديّة القطبيّة.
في المقابل، يشهد ممرّ النقل الدوليّ “شمال – جنوب”، الذي أُطلق عام 2000 لربط روسيا بإيران والهند، إعادة هيكلة عميقة. جعل تصاعد التوتّرات بين الولايات المتّحدة وإيران، تكرار التهديدات العسكريّة، وتشديد العقوبات، الاعتماد المفرط على العقود الإيرانيّة محفوفاً بالمخاطر. يحذّر التقرير من أنّ أيّ تصعيد عسكريّ ضدّ طهران قد يؤدّي إلى تعطيل نقاط عبور حيويّة، مثل ميناء تشابهار، مهدّداً استمراريّة تدفّقات التجارة عبر هذا الممرّ.
لهذا تعتمد موسكو مقاربة مزدوجة تقوم على الحفاظ على إيران شريكاً محوريّاً، وفي الوقت نفسه تنويع عقد العبور عبر دول الخليج لتقليص المخاطر المرتبطة بطرف واحد. وتسعى روسيا إلى لعب دور “القوّة المُثبِّتة” التي تجمع إيران ودول الخليج ضمن إطار ربط مشترك يحوّل الممرّ من بؤرة توتّر محتملة إلى منصّة للنموّ الجماعيّ.
عُمان: بوّابة الجنوب إلى إفريقيا وآسيا
تُعدّ سلطنة عُمان المثال الأبرز على هذا التوجّه. جرى دمج الموانئ العُمانيّة رسميّاً ضمن منظومة ممرّ “شمال – جنوب” لتكون بوّابة جنوبيّة تربط روسيا ببحر العرب وشرق إفريقيا وجنوب آسيا. تنسجم هذه الخطوة مع “رؤية عُمان 2040″، التي تضع تطوير الموانئ واللوجستيّات في صلب محرّكات النموّ الاقتصاديّ.
بلغ حجم التبادل التجاريّ بين موسكو ومسقط نحو 340 مليون دولار في عام 2024، مسجّلاً زيادة كبيرة مقارنة بعام 2020. وأُعيد تسجيل أكثر من 30 سفينة مرتبطة بروسيا في السجلّ البحريّ العُمانيّ، في مؤشّر إلى دور السلطنة المتمثّل في كونها قاعدة محايدة في ظلّ تشديد إجراءات الامتثال في مراكز لوجستيّة أخرى، مثل دبي. تتحوّل موانئ صلالة والدقم وصحار ومسقط إلى مراكز إعادة تصدير تربط روسيا بموانئ شرق إفريقيا، مثل جيبوتي ومومباسا ودار السلام، معزّزةً الامتداد الجنوبيّ للممرّ.
الإمارات: ثقل ماليّ ودور دبلوماسيّ
تلعب الإمارات دوراً في منظومة الربط الروسيّة بفضل بنيتها التحتيّة المتقدّمة في الموانئ والتمويل. تشكّل موانئ جبل علي والفجيرة نقاط ارتكاز أساسيّة للتجارة الروسيّة، فيما استثمرت الصناديق السياديّة الإماراتيّة مليارات الدولارات في قطاعات روسيّة استراتيجيّة.
السّعوديّة والبحرين: تنويع محسوب
تتعمّق العلاقات السعوديّة – الروسيّة، لا سيما في قطاع الطاقة، مع نموّ متسارع في حجم التجارة والمشاريع الصناعيّة والتكنولوجيّة المشتركة. توازن الرياض بين مبادرات مدعومة أميركيّاً، مثل ممرّ الهند – الشرق الأوسط – أوروبا، وبين نموذج “شمال – جنوب” الروسيّ، الذي يقوم على ربط متعدّد الأقطاب وتقليص الاعتماد على نقاط اختناق جيوسياسيّة. يمثّل هذا الممرّ بالنسبة إلى المملكة السعوديّة شرياناً مستقرّاً يدعم أهداف “رؤية 2030″، ويوفّر قناة موثوقة للتجارة في بيئة إقليميّة مضطربة.
أمّا البحرين فعلى الرغم من محدوديّة حجم التبادل التجاريّ مع روسيا، يشير التقرير إلى أنّ المنامة تمتلك بيئة ماليّة وتنظيميّة متقدّمة يمكن أن تفتح المجال أمام تعاون أوسع في مجالات التمويل، الغاز الطبيعيّ المسال، والخدمات الرقميّة، علاوة على دور محتمل ضمن سلاسل الإمداد الخليجيّة الأوسع.
منع التّصعيد وحماية المصالح
يربط تقرير “تحوّل روسيا نحو آسيا” بين الاستراتيجية اللوجستيّة الروسيّة ومساعي موسكو لمنع التصعيد العسكريّ في الخليج. على الرغم من اعتبار إيران شريكاً لا غنى عنه، خصوصاً في مجالات الطاقة النوويّة السلميّة والبنية التحتيّة، ستعرّض أيّ حرب ضدّها استثمارات روسيا وممرّات تجارتها، سواء في إيران أو في دول الخليج، لمخاطر جسيمة. لهذا تعمل موسكو على تطوير منافذ خليجيّة بديلة لتوزيع المخاطر وحماية مصالحها.
يخلص التقرير إلى أنّ الاستراتيجية الروسيّة الجديدة لا تهدف فقط إلى الالتفاف على العقوبات، بل إلى بناء منظومة ربط لوجستيّ متعدّدة العِقد تقلّل الاعتماد على مسار واحد، وتعزّز مرونة التجارة في مواجهة الحروب والتوتّرات والتحوّلات الجيوسياسيّة.
من خلال دمج الموانئ الخليجيّة إلى جانب المسارات الإيرانيّة، تسعى روسيا إلى ترسيخ موقعها لتكون قوّة مركزيّة في ربط أوراسيا بالشرق الأوسط وإفريقيا وجنوب آسيا، في إطار نظام عالميّ يتّجه بثبات نحو التعدّديّة القطبيّة، حيث لم تعد الجغرافيا مجرّد ممرّ، بل أداة استراتيجيّة في الصراع على النفوذ والاقتصاد.
إيمان شمص
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.