رياض سلامة بين مقتضيات العدالة وحرمة الحق في الحياة / 2
بقلم د. ابراهيم العرب
ولا شك أن هذا التباين يثير إشكالية تتصل بوحدة الاجتهاد القضائي واستقرار المراكز القانونية والمساواة أمام القانون. فليس من المقبول أن تتحدد استفادة المتقاضين من العفو العام أو عدم استفادتهم منه وفقاً لاختلاف التفسير بين مرجع قضائي وآخر، من دون أن تكون هناك معالجة قضائية واضحة ترسي معايير موحدة لتطبيق هذه التحفظات.
وإذا كان المجلس الدستوري قد اعتبر تحفظاته التفسيرية ملزمة لجميع السلطات العامة والمراجع القضائية والإدارية، فإن ذلك لا يلغي ضرورة البحث في حدود هذه الإلزامية، ومدى توافق مضمون التحفظ مع النص التشريعي ومبادئ الشرعية القانونية والفصل بين السلطات. فالإشكالية ليست في وجوب احترام القرارات الدستورية، بل في تحديد النطاق الذي يجوز أن يعمل فيه التفسير الدستوري من دون أن يتحول إلى ممارسة لاختصاص يعود أصلاً إلى السلطة التشريعية.
ومن هنا، فإن قضية رياض سلامة تكتسب بعداً قانونياً إضافياً، إذ إن تحديد مدى استفادته من قانون العفو العام لا يمكن أن يستند إلى الانطباعات أو إلى طبيعة الاتهامات المتداولة، بل يقتضي تحديد الأفعال المنسوبة إليه، وتاريخ ارتكابها، والنصوص الجزائية التي تنطبق عليها، ومدى دخولها في الاستثناءات التشريعية، ثم بيان أثر التحفظ التفسيري الذي اعتمده المجلس الدستوري عليها. وهذا كله يبقى من اختصاص القضاء الجزائي، الذي يتعين عليه أن يفصل في المسألة وفقاً للأصول القانونية.
قرينة البراءة والضمانات الدستورية للموقوف
وبمعزل عن الجدل المتعلق بقانون العفو العام، تبقى القاعدة الأساسية التي ينبغي أن تحكم جميع الملاحقات الجزائية هي قرينة البراءة. فالقضايا ذات الطابع العام، ولا سيما تلك المرتبطة بالأزمات الاقتصادية والمالية الكبرى، غالباً ما تتداخل فيها الاعتبارات القانونية مع الضغوط السياسية والإعلامية والشعبية، وقد تتحول المحاكمة في الوعي العام إلى إدانة مسبقة قبل أن يقول القضاء كلمته.
ومن أخطر ما قد يصيب العدالة أن تتحول قرينة البراءة إلى مجرد شعار نظري، بينما يُعامل المشتبه فيه أو المدعى عليه في الواقع وكأنه مدان سلفاً. فالأصل أن كل شخص يُشتبه في ارتكابه جرماً يُفترض أنه بريء إلى أن تثبت إدانته وفقاً للقانون، وبعد محاكمة عادلة تتوافر فيها جميع ضمانات الدفاع.
ويترتب على هذه القرينة أن يقع عبء الإثبات على جهة الاتهام، فلا يُطلب من المدعى عليه أن يثبت براءته، بل يتعين على النيابة العامة إثبات عناصر الجرم بأدلة قانونية كافية، وأن يفسر الشك المعقول لمصلحة المتهم. فالعدالة الجنائية لا تقوم على الانطباعات أو الاحتمالات، وإنما على أدلة تخضع للمناقشة والتمحيص أمام القضاء المختص.
وهذه المبادئ ليست مجرد قواعد فقهية أو نظريات أكاديمية، بل هي من ركائز المحاكمة العادلة التي كرّسها الدستور اللبناني والتشريعات الوطنية والمواثيق الدولية. فقد نصت المادة الثامنة من الدستور على أن الحرية الشخصية مصونة وفي حمى القانون، وأنه لا يجوز القبض على أحد أو حبسه أو توقيفه إلا وفق أحكام القانون.
كما كرّس الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الحق في الحرية والأمان الشخصي، وحظر الاعتقال أو الاحتجاز التعسفي، وأكدا حق كل إنسان في محاكمة عادلة أمام محكمة مختصة ومستقلة ومحايدة، فضلاً عن تكريس قرينة البراءة.
أما قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني، فقد وضع ضوابط قانونية للتوقيف الاحتياطي، ولا سيما في المادة 108، بما يحد من التعسف في تقييد الحرية الشخصية، ويؤكد أن التوقيف ليس قاعدة عامة ولا عقوبة تسبق الحكم، وإنما تدبير استثنائي ينبغي أن يستند إلى مبررات قانونية وأن يظل خاضعاً للمهل والقيود التي رسمها المشرع، مع مراعاة الاستثناءات التي نص عليها القانون.
ومن زاوية إنسانية وقانونية في آن واحد، يثور تساؤل لا يجوز تجاهله: إذا كان الموقوف يعاني وضعاً صحياً متدهوراً يستوجب رعاية طبية متخصصة ومراقبة مستمرة، فما الغاية من إبقائه في مكان التوقيف إذا كان بالإمكان تأمين الرعاية اللازمة له في المستشفى، مع استمرار خضوعه للإجراءات القضائية والضمانات التي تكفل حضوره أمام القضاء؟
إن حماية سلامة الموقوف وحقه في الرعاية الصحية لا تتعارض مع مقتضيات التحقيق ولا مع حق المجتمع في المحاسبة. بل إن احترام هذه الحقوق هو جزء لا يتجزأ من وظيفة الدولة القضائية والإنسانية. ولذلك، ينبغي أن يخضع الوضع الصحي لرياض سلامة لتقييم طبي مستقل ودقيق، وأن تُتخذ التدابير اللازمة لحماية حياته وسلامته، وأن يُبحث في إمكان إخلاء سبيله وفقاً للقانون، مع فرض ما يلزم من ضمانات، بما فيها منع السفر أو غيره من التدابير التي يجيزها القانون.
العدالة لا تعني العقاب قبل المحاكمة
ولا بد، في هذا السياق، من التمييز بين المسؤولية السياسية والاقتصادية عن الانهيار المالي، والمسؤولية الجزائية التي لا تثبت إلا من خلال التحقيق والمحاكمة والأدلة القانونية. فالانهيار الذي أصاب لبنان لا يجوز اختزاله في شخص واحد، كما لا يجوز أن يكون تعدد الجهات التي ساهمت في إحداثه ذريعة لإعفاء أي جهة من مسؤوليتها متى ثبتت بالأدلة.
إن تحديد المسؤوليات، أياً تكن المواقع التي شغلها أصحابها، هو من اختصاص القضاء، ولا ينبغي أن تسبقه أحكام سياسية أو شعبية، كما لا يجوز أن يحول دون مساءلة جدية وفعالة. فالمطلوب كشف الحقيقة كاملة، وتحديد المسؤوليات على اختلاف مستوياتها، وإنصاف المودعين وصون حقوقهم، من دون تحويل المحاكمة إلى محاكمة إعلامية أو سياسية تسبق الحكم القضائي.
ومن هنا، فإن الموقف الحقوقي السليم لا يقوم على تبرئة رياض سلامة ولا على إدانته، وإنما على تطبيق القانون عليه كما يُطبق على أي مواطن آخر، من دون استثناء أو انتقائية. فلا يجوز أن يستفيد من موقعه السابق أو من نفوذه، كما لا يجوز أن يُحرم من ضماناته القانونية بسبب الغضب الشعبي أو خطورة الاتهامات الموجهة إليه.
إن قضية رياض سلامة، بصرف النظر عن مآلاتها القضائية، تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة اللبنانية على احترام مبادئ العدالة الجنائية الحديثة. فالمطلوب ليس حماية الأشخاص، وإنما حماية القانون؛ وليس تبرئة أحد أو إدانته مسبقاً، وإنما ضمان أن تُبنى الأحكام على الأدلة، وأن تُحترم الإجراءات، وأن تبقى الحرية الشخصية والكرامة الإنسانية مصونتين في جميع مراحل الملاحقة والمحاكمة.
فالعدالة لا تُقاس بصرامة التوقيف وحدها، ولا بعدد من يبقون خلف القضبان، وإنما بقدرتها على كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات وإصدار الأحكام العادلة، من دون التفريط بحقوق الإنسان وكرامته. وليس من العدالة أن يُحرم متهم من ضماناته بسبب الغضب الشعبي، كما ليس من العدالة أن يُعفى من المساءلة بسبب مكانته السابقة.
إن دولة القانون لا تُختبر في حماية من يحظون بالتعاطف وحدهم، بل في كيفية تعاملها مع الأشخاص الذين تلاحقهم اتهامات خطيرة ويثيرون غضب الرأي العام. ففي هذه اللحظات تحديداً، يظهر ما إذا كانت الدولة تحتكم إلى القانون أم تنقاد إلى الانفعال. فالإنسانية ليست مكافأة تمنح للمتهم البريء، بل حق لا يفقده الإنسان لمجرد الاشتباه به؛ والعدالة الحقيقية هي التي لا تتخلى عن إنسانيتها، حتى في أشد القضايا إثارة للجدل.
د. ابراهيم العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.