شعب… يرقص مذبوحًا من الألم

6

بقلم دافيد عيسى

سياسي لبناني

«من لا يشعر بوجع الناس، لا يكون من الناس».

ربما تختصر هذه العبارة، في كلمات قليلة، جوهر العلاقة التي يجب أن تجمع السلطة بشعبها.

فالدولة ليست قوانين تُكتب، ومراسيم تُصدر، وبيانات تُتلى؛ الدولة فعلٌ ومسؤولية.

وحين تعجز الدولة عن تأمين أبسط حقوق مواطنيها، تفقد شيئًا من جوهر وجودها ودورها.

فالدولة تُقاس، قبل أي شيء، بمدى حضورها في حياة الناس. وحين يغيب هذا الحضور، يجد المواطن نفسه وحيدًا في مواجهة المرض والفقر وغلاء المعيشة والخوف من الغد.

لكن الإنصاف أولًا يفرض علينا ألّا نتجاهل الواقع الذي يعيشه لبنان.

فلبنان يواجه مرحلة بالغة الدقة والخطورة، في ظل حرب مستمرة في الجنوب، وأزمة اقتصادية ومالية عميقة لم تنتهِ تداعياتها، بل لا تزال تلقي بثقلها على حياة اللبنانيين، إلى جانب تحديات سياسية وأمنية متراكمة، وسط محيط إقليمي شديد الاضطراب والتعقيد.

ومن غير المنطقي أن نطالب الدولة اللبنانية بما يفوق قدراتها وإمكاناتها، أو أن نحمّلها مسؤولية تغيير موازين القوى في المنطقة، أو وقف كل ما يجري من حولها، وكأنها تملك القدرة على التحكم في مسار الأحداث الإقليمية.

لكن الاعتراف بعجز الدولة أمام الملفات الخارجية لا يعني إعفاءها من مسؤولياتها تجاه مواطنيها في الداخل.

فما لا تستطيع الدولة أن تفعله على مستوى الملفات الإقليمية والدولية، تستطيع أن تفعله داخل حدود مسؤوليتها.

فالوجع اللبناني لم يعد أزمة عابرة يمكن انتظار نهايتها، بل تحوّل إلى نمط حياة.

المواطن يستيقظ على فاتورة، وينام على أخرى، ولا احد يرحم.

كهرباء ومولدات، مياه الدولة ومياه الشرب ومياه الصهاريج، غذاء ومحروقات، أقساط مدارس وجامعات، طبابة واستشفاء، ضرائب ورسوم، وحاجات أساسية ترتفع كلفتها يومًا بعد يوم، فيما تتراجع قدرته الشرائية وتتآكل قيمة دخله.

لكن إلى متى يبقى المواطن يدفع ثمن تقصير الدولة؟

نقول ذلك كون الكهرباء والمياه من أبسط مقومات الحياة، وكان يمكن للدولة، عبر السنوات الطويلة، أن تستثمر في معامل الكهرباء والسدود وشبكات المياه، وأن تؤمّن خدمات أساسية تخفف عن الناس أعباءً هائلة.

فالمواطن لا يدفع ثمن غياب هذه المشاريع مرة واحدة، بل يدفعه كل يوم: فاتورة كهرباء الدولة ثم فاتورة المولد، ومياه الدولة إن توفرت ثم مياه الصهريج.

فالمواطن يدفع ثمن الخدمة مرتين، فيما يبقى السؤال: أين ذهبت كل الأموال التي أُنفقت على مدى السنوات؟

أما الراتب فحدث ولا حرج، يدخل الجيب وكأنه عابر سبيل؛ لا يكاد يصل حتى يبدأ سباقه مع الالتزامات، ثم يختفي قبل أن يبلغ الشهر منتصفه.

فعائلة لبنانية مؤلفة من أربعة أشخاص تحتاج اليوم إلى نحو 1200 دولار شهريًا لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتها، فيما ارتفعت أسعار السلع الأساسية بنحو 19% خلال النصف الأول من عام 2026، ولامست صفيحة البنزين 30 دولارًا، ناهيك عن كلفة المولدات الكهربائية التي تستنزف ما تبقى من دخل المواطن.

فماذا يبقى من راتب المواطن؟

أيّ حياة هذه؟

ليس لأننا نريد المبالغة في وصف الأزمة، بل لأن تفاصيل الحياة اليومية نفسها أصبحت صعبة للغاية، وشاهدة على هذا الوجع.

المواطن الذي كان يحلم بحياة أفضل، أصبح كل ما يريده هو أن يتمكن من الاستمرار، يومًا بيوم.

ولعل أكثر ما يكشف عمق الأزمة سؤال بسيط ومرعب في آن واحد، أسمعه يتردد دائمًا على ألسنة الناس:

ماذا يحدث إذا مرضت؟

لم يعد الخوف من المرض وحده، بل أصبح الخوف من الفاتورة، ومن المستشفى، ومن ثمن الدواء، ومن أن يبدأ الإنسان معركته مع المرض، ثم يجد نفسه في معركة أخرى مع كلفة العلاج.

اللبناني لا يخاف أن يمرض فحسب؛ بل يخاف أن «يتبهدل» بسبب مرضه.

وحين يصبح المريض مضطرًا إلى حساب كلفة علاجه قبل أن يفكر في العلاج نفسه، نكون قد تجاوزنا الأزمة الاقتصادية إلى أزمة تمس كرامة الإنسان في الصميم وحقه الطبيعي في الصحة والطبابة.

والأشد إيلامًا أن يجد بعض المرضى وعائلاتهم أنفسهم أمام خيار لم يختاروه ولا يريدونه، فيلجؤون إلى وسائل التواصل الاجتماعي طلبًا للمساعدة، ويضطرون إلى كشف تفاصيل مرضهم ومعاناتهم أمام الجميع، لا رغبةً في عرض خصوصياتهم، بل لأن كلفة العلاج تثقل كاهلهم، ولا يملكون القدرة على تحمّلها.

نعم، التكافل الاجتماعي قيمة عظيمة، واللبنانيون لطالما أثبتوا أنهم أهل نجدة في المحن.

لكن التكافل لا يمكن أن يتحول إلى نظام صحي.

ولا يتوقف الأمر عند المرض، بل يصل إلى أبسط مقومات حياة المواطن: غذاؤه وحاجاته الأساسية، التي تحولت إلى مصدر قلق يومي في ظل أسعار متفلتة، وكلفة متصاعدة، واستغلال واضح لجيب المواطن، وكأن الأسواق أصبحت على قاعدة «كل مين إيدو إلو».

وهنا يبرز دور الدولة ومسؤوليتها:

أين أجهزة الرقابة؟ أين وزارة الاقتصاد والتجارة؟ أين مديرية حماية المستهلك؟ وأين المكتب الفني لسياسة الأسعار؟

فالرقابة ليست ترفًا، بل واجب ومسؤولية.

فعندما تغيب الرقابة عن الأسواق، يصبح المواطن الحلقة الأضعف، وتتحول حاجته إلى فرصة للاستغلال والربح على حساب لقمة عيشه.

فالدولة مطالبة بأن تحمي الناس وتضع حدًا لهذا الانفلات.

وعندما يفلت المحتكر والمستغل والجشع من المراقبة والمحاسبة، يدفع المواطن الثمن فيما كل ذلك يحدث «على عينك يا دولة».

نعم هذه مسؤولية الدولة، ولا تحتاج إلى تدخلات أو انتظار قرارات دولية أو أممية، بل إلى إرادة سياسية تضع مصلحة المواطن أولًا.

لقد آن الأوان لهذه الوزارات والجهات المختصة أن تتحمل مسؤولياتها، وتضع حدًا لتلاعب كبار التجار بالأسعار على حساب المواطنين.

والمفارقة هنا أن اللبناني لا يطلب المستحيل.

لا يطلب دولة «سوبرمان»، ولا ينتظر منها أن تحل أزمات المنطقة والعالم، ولا يطلب منها أن تمنحه حياة سهلة خالية من الصعوبات.

إنه يريد فقط دولة تقوم بواجباتها، وتحميه حيث تستطيع، وتصون كرامته، وتمنحه الحد الأدنى من الأمان الاجتماعي والاقتصادي.

لقد تحمّل اللبناني كثيرًا، وتحمل كل ما حملته السنوات الماضية من ضغوط تفوق قدرة أي إنسان على تحمّلها.

لكن على الدولة أن تعرف أن:

– الصبر لا يعني أن الناس بخير.

– والسكوت لا يعني أن الوجع غير موجود.

– والقدرة على التحمل لا تعني أن الإنسان قادر على التحمل إلى ما لا نهاية.

ولهذا، فإن السياسة تُقاس في نهاية المطاف بما يشعر به المواطن في حياته اليومية، وبمدى شعوره بأن الدولة موجودة من أجله، لا أنه موجود فقط لتمويلها.

فالمواطن ليس مجرد رقم في سجل، ولا اسمًا على لائحة، ولا مصدرًا للإيرادات والضرائب والرسوم.

فالإنسان هو أساس الدولة وغايتها.

وما يحتاجه المواطن اليوم هو فعلًا يلمسه، ودولة يشعر بها، وكرامة لا يضطر إلى الاستجداء من أجلها.

وفي الختام، يريد اللبناني فقط دولة تقول له: لست وحدك.

دافيد عيسى

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.