صلاحية رئيس الجمهورية في التفاوض على المعاهدات الدولية – 2

19

بقلم د. ابراهيم العرب
وقد حسم النظام الداخلي للجمعية الوطنية الفرنسية مسألة دور البرلمان في المعاهدات، إذ نصت المادة 128 منه على أنه:
“Lorsque l’Assemblée est saisie d’un projet de loi autorisant la ratification d’un traité ou l’approbation d’un accord in-ternational non soumis à ratification, il n’est pas voté sur les articles contenus dans ces actes et il ne peut être présenté d’amendement.”
ومعنى ذلك أن البرلمان لا يفاوض ولا يعدّل النص الدولي، لأن المعاهدة ثمرة تفاوض بين أطراف دولية، وتعديلها من جانب واحد يخل بطبيعتها التعاقدية. وهذا المنطق ينسحب، من حيث المبدأ، على التجربة اللبنانية أيضاً. حيث تثير المادة 52 إشكالية دقيقة تتعلق بمدى رقابة مجلس النواب على المعاهدات الدولية. فالأصل، وفق النص، أن رئيس الجمهورية يطلع مجلس النواب على المعاهدات عندما تتيح ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة. غير أن هذه العبارة تثير إشكالاً دستورياً واضحاً، لأنها تمنح السلطة التنفيذية هامشاً واسعاً في تقدير ما إذا كان اطلاع البرلمان ممكناً أو مناسباً، فإن تعبيري “مصلحة البلاد”و”سلامة الدولة” تعبيران مرنان، بل قد يكونان مطاطين في التطبيق، لأنهما يتركان للسلطة التنفيذية مساحة واسعة من التأويل. كما أن الدستور لا يشترط موافقة مجلس النواب للإبرام إلا عندما يكون الأمر متعلقاً:
1. بالمعاهدات التي تتضمن شروطاً تتعلق بمالية الدولة.
2. بالمعاهدات التجارية.
3. بالمعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة.
ومن الأمثلة التي تثار حول السلطة التقديرية المطلقة للسلطة التنفيذية اتفاق القاهرة بين لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية، والذي لم يُعرض على مجلس النواب في حينه. ويُستحضر هذا المثال عادة للدلالة على مدى اتساع دور السلطة التنفيذية في الاتفاقات ذات الأثر السيادي والأمني والسياسي، حتى ولو كانت تنتج آثاراً قانونية أو واقعية عميقة داخل الدولة.
كذلك، فقد أقر الدستور اللبناني مبدأ عدم مسؤولية رئيس الجمهورية عن الأعمال التي يقوم بها أثناء ممارسته لوظيفته، إلا في الحالات التي نص عليها الدستور. وهذه الحصانة ذات طبيعة سياسية ودستورية، وتهدف إلى حماية موقع رئاسة الجمهورية من الاستهداف السياسي.
من ناحية أخرى، فإن المعاهدة ذاتها، أو آثارها في النظام الداخلي، فيجب أن تبقى خاضعة للمنطق الدستوري العام، ولا سيما مبدأ سمو الدستور، ومبدأ المشروعية، ومبدأ خضوع الدولة للقانون. ولذلك، من أبرز الثغرات التي يمكن تسجيلها على التنظيم الدستوري اللبناني لمسألة المعاهدات الدولية، أن المادة 19 من الدستور، المتعلقة بالمجلس الدستوري، لم تنص صراحة على إمكانية عرض المعاهدات الدولية على المجلس الدستوري قبل إبرامها للتحقق من مدى مطابقتها للدستور. كما أن المادة 52 لم تتضمن آلية واضحة للرقابة الدستورية السابقة على المعاهدات. وهذا النقص يطرح إشكالية عميقة، لأن المعاهدة الدولية، متى أُبرمت وأصبحت نافذة، قد ترتب التزامات على الدولة يصعب التحلل منها لاحقاً. فالقانون الدولي العام، وخصوصاً اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، يقوم على مبدأ جوهري مفاده أن الدولة لا تستطيع، من حيث الأصل، أن تحتج بقانونها الداخلي لتبرير عدم تنفيذ معاهدة التزمت بها دولياً. ولهذا كان من الأفضل أن يتبنى المشرع الدستوري اللبناني آلية صريحة تتيح إحالة المعاهدات إلى المجلس الدستوري قبل إبرامها أو قبل التصديق النهائي عليها، على غرار ما هو معمول به في فرنسا. حيث يمثل النموذج الفرنسي في هذا المجال تجربة جديرة بالاهتمام. فالدستور الفرنسي يتيح، وفق آليات محددة، عرض الالتزامات الدولية على المجلس الدستوري قبل التصديق عليها، فإذا تبين أن المعاهدة تتضمن بنداً مخالفاً للدستور، فلا يجوز التصديق عليها إلا بعد تعديل الدستور.
وهذا النموذج كان من الأجدر بالمشرع الدستوري اللبناني أن يستلهمه، لأن لبنان، بحكم موقعه وتعددية نظامه السياسي وتداخل العوامل الداخلية والخارجية في شؤونه العامة، يحتاج إلى ضمانات دستورية مضاعفة في مجال المعاهدات والاتفاقات الدولية.
ويرجع سبب ذلك، إلى أن المعاهدات الدولية تثير مسألة بالغة الأهمية تتعلق بموقعها في هرمية القواعد القانونية. فالقاعدة العامة في الفكر الدستوري الحديث هي أن الدستور يحتل قمة الهرم القانوني، تليه المعاهدات الدولية، ثم القوانين العادية، ثم الأنظمة والقرارات الإدارية. وفي لبنان، يُستدل على مكانة المعاهدة الدولية من خلال ما ورد في المادة الثانية من قانون أصول المحاكمات المدنية، التي تعطي المعاهدات الدولية، عند توافر شروطها، أولوية في التطبيق على القوانين الداخلية العادية. غير أن هذه الأولوية لا تعني أن المعاهدة تسمو على الدستور، لأن الدستور يبقى القاعدة العليا التي تستمد منها السلطات اختصاصاتها، ومنها سلطة إبرام المعاهدات ذاتها.
من جهتنا، فإننا نؤكد أن ممارسة الاختصاص في دولة القانون يجب أن تتم ضمن آليات واضحة تمنع التعارض بين الالتزامات الدولية والدستور، وتحمي الدولة من الارتجال أو الغموض في المسائل السيادية. وانطلاقاً مما تقدم، يمكن القول إن الأصح قانونياً في هذا المجال أن يتجه المشرّع الدستوري إلى إقرار آلية صريحة تسمح بإحالة المعاهدات الدولية إلى المجلس الدستوري قبل إبرامها، خصوصاً إذا كانت تتعلق بالسيادة أو الحقوق الأساسية أو مالية الدولة أو النظام الاقتصادي أو الأمن الوطني.
وفي الختام، إن صلاحية رئيس الجمهورية في التفاوض على المعاهدات الدولية وإبرامها، كما وردت في المادة 52 من الدستور اللبناني، تمثل إحدى الصلاحيات السيادية المهمة في النظام الدستوري اللبناني. غير أن الإشكالية الأساسية لا تكمن فقط في توزيع الاختصاص بين السلطات، بل في غياب رقابة دستورية سابقة على المعاهدات الدولية قبل إبرامها. فهذا الغياب قد يعرّض الدولة لتعارض خطير بين التزاماتها الدولية وأحكام دستورها، في وقت يفترض فيه أن تكون الدولة حريصة على احترام القانون الدولي من جهة، وعلى حماية سمو الدستور من جهة أخرى. لذلك، فإن تطوير النظام الدستوري اللبناني في مجال المعاهدات الدولية بات ضرورة قانونية وسياسية، لا ترفاً نظرياً. فدولة القانون لا تقاس فقط بقدرتها على إبرام الاتفاقات الدولية، بل بقدرتها أيضاً على إخضاع هذه الاتفاقات لمقتضيات الدستور، وضمان ألا تتحول السياسة الخارجية إلى مجال خارج الرقابة والمساءلة.
ومن هنا، فإن الاقتداء بالتجربة الفرنسية في مجال الرقابة الدستورية السابقة على المعاهدات يشكل مدخلاً إصلاحياً مهماً، لأنه يوفق بين احترام الالتزامات الدولية وصيانة السيادة الدستورية الداخلية. فالمعاهدة الدولية، مهما علت مكانتها، تبقى في النظام القانوني اللبناني أدنى من الدستور وأعلى من القانون العادي، الأمر الذي يفرض أن تمر عبر بوابة الشرعية الدستورية قبل أن تصبح التزاماً نهائياً على الدولة اللبنانية.
د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.