علامة لـ «الشرق» استمرار الإضراب قد يدفع نحو انهيار مالي أعمق يضر بموظفي القطاع العام أنفسهم وإعادة هيكلة القطاع العام هو جوهر الصراع بين صندوق النقد والسلطة السياسية

إضرابات متكررة وخسائر مالية للدولة

2

كتبت ريتا شمعون 

تشهد الإدارات العامة في لبنان شللاً شبه تام نتيجة الإضرابات المتكررة لروابط الموظفين، ورغم لجوء الحكومة الى صيغ دعم مؤقتة، يرى الموظفون والمراقبون أن هذه السياسات ما هي إلا ( معالجات  ترقيعية ) لا تلمس جوهر الازمة المعيشية المتفاقمة وعجز الرواتب الحاد عن مواكبة التضخم. وقد فرضت رابطة موظفي الإدارة العامة في لبنان برنامجا تصعيديا يشمل الالتزام الكامل بالإضراب، مع التحذير من تمديد أيام التعطيل للوصول الى الشلل التام إذا استمرّ تجاهل المطالب. ورفضت في بيان لها أي محاولة لتمييز موظفي القطاع الخاص عن موظفي القطاع العام في ملف المحروقات والنقل، فهذا استخفاف فاضح وتعامل انتقائي لن نسمح به، الموظف العام هو من يدفع اليوم من لحمه الحي ثمن وصوله الى وظيفته، راتبه يتبخر على الطرقات، وبدل النقل « المهزلة» الذي يتقاضاه لا يغطي حتى كلفة يوم واحد، وأكدت ان أي قرار لا ينصف موظفي الإدارة العامة هو اعلان حرب معيشية علينا، وسنرد عليه من خلال المواقف المناسبة من اضراب وتحركات تصعيدية مفتوحة.  وقد أدّى التوقف عن العمل الى شلل قطاعات حيوية وتأخير المعاملات القانونية والمالية والإدارية، ما وضع المواطن اللبناني في مواجهة مباشرة مع مخلفات الأزمة. تؤكد هذه المشهدية أن سياسة المسكنات والمقايضة لإسكات الشارع وضمان استمرارية المرفق العام بالحد الأدنى لن تنجح، حيث عجزت الحكومات المتعاقبة عن إقرار زيادات ثابتة دون ربطها  بايرادات حقيقية، مما يجعل الرواتب عاجزة دائما عن ملاحقة أسعار السوق المتفلتة وغلاء المعيشة. الباحث السياسي والاقتصادي الدكتور بلال علامة يشرح في حديث خاص لجريدة « الشرق» الوضع الراهن للإضراب وتعطيل المعاملات، قائلاً: إن الإضرابات المتكررة في الإدارات الرسمية أصبحت تشكل عبئا ثقيلا، حيث بات العمل يقتصر في كثير من الأحيان على يوم واحد أو يومين فقط في الأسبوع، هذا الوضع يؤدي الى تعطيل مصالح الناس الحيوية،  وقد تسبب في شلل شبه كامل لمعاملات المواطنين اليومية والمؤسساتية. كما تؤثر الإضرابات العامة بشكل مباشر على إيرادات الدولة، نظرا لأن الخزينة العامة تعتمد بنسبة تفوق 70% على الضرائب والرسوم غير المباشرة. وامل علامة، ألا يستمر الاضراب لأنه يؤثر على عمل المرفأ والمطار والمعابر البرية، مما يوقف تخليص البضائع ويحرم الدولة من الرسوم الجمركية، ورسوم الاستيراد التي تشكل ركيزة أساسية للمداخيل، فضلاً عن إغلاق أمانات السجل العقاري ومصالح تسجيل السيارات (النافعة) مما يوقف تحصيل رسوم الانتقال ورسوم الطابع المالي ورسوم الميكانيك. وأضاف، من الطبيعي أن تتراجع إيرادات الدولة بشكل كبير في حالة الإضرابات فكيف الحال عندما يكون الاقتصاد في لبنان يمر بمرحلة انكماش حاد، فعلى سبيل المثال، فإن حجم استهلاك البنزين في لبنان تراجع بنسب تراوح بين 19% الى 35% بحسب الإحصاءات الأخيرة في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الوقود عالميا، وجعلت من رسم 300 الف ليرة لبنانية على صفيحة البنزين بلا أي قيمة فعلية، والذي كان يغذي خزينة الدولة أصبح اليوم شبه معدوم القيمة. ويرى علامة، أن التحركات التصعيدية التي تنفذها روابط وموظفو القطاع العام في لبنان في إطار الضغط على الحكومة لتحسين الرواتب غير مجدية، حيث تتصادم مطالب موظفي القطاع العام بتحسين أجورهم مع محدودية قدرات الدولة المادية في الوقت الراهن نتيجة الازمات الاقتصادية المتراكمة، محذرا من أن استمرار الاضراب قد يدفع نحو انهيار مالي أعمق، وانفجار اجتماعي يضر بالموظفين أنفسهم قبل غيرهم نتيجة توقف إيرادات الدولة، خصوصا ان ظاهرة «الموظفين الوهميين» أو عدم التزام موظفي القطاع العام بالدوام مع استمرار تقاضي رواتبهم هي قضية واقعية اليوم وتشكل تحديا كبيرا في العديد من الإدارات العامة برأس مال بشري غير منتج، والمحسوب على التيارات السياسية أو المدعوم منها، مضيفا: هناك واقع حقيقي لا يمكن إنكاره، فالتعميم بوجود التقصير في القطاع العام يظلم آلاف الموظفين الشرفاء الذين يخدمون بضمير حي، هؤلاء الأشخاص هم « الأوادم» الذين يشكلون العمود الفقري لما تبقى من هيكل الدولة.

وردأ على سؤال، يقول علامة، معظم الأحزاب المشاركة في الحكومات لديها « حصة» في التوظيف العشوائي، فإن أي محاولة من طرف لفتح هذا الملف ستواجه بفتح ملفات توظيف الطرف الآخر، وفضح فساده،  مما يخلق توازنا يحمي الترهل الإداري مشيرا الى ان رواتب وتعويضات وملحقات موظفي القطاع العام تستحوذ على نسبة تتراوح بين 50% و60% من اجمالي موازنة الدولة، اما الحديث عن ملف المتعاقدين في القطاع العام « الفضيحة» وهو بالفعل واحد من اعقد الملفات التي تشهد تخبطا إداريا وماليا ويشكل مادة دسمة لتقارير الجهات الدولية لا سيما صندوق النقد الدولي. وتابع في السياق، على مر السنوات قدمت جهات دولية عشرات الملايين من الدولارات لإنجاز مشروع الإدارة الالكترونية ( الحكومة الرقمية) لتقليص الاحتكاك المباشر بين الموظف والمواطن لكن لبنان للأسف يمثل نموذجا صارخا لكيفية تبخر الوعود والتمويلات الدولية دون تحقيق نتائج ملموسة.

علامة، يلفت الى ان القيمة الشرائية لرواتب القطاع العام تآكلت بشكل دراماتيكي نتيجة الأزمات الاقتصادية مما جعل تصحيح الأجور مطلبا معيشيا، لكن في المقابل ، المطلوب « ترشيق القطاع العام» بإجراء تدقيق شامل لوظائف القطاع العام لتحديد الموظفين الوهميين أو أولئك الذين يتقاضون رواتب دون الحضور أو تقديم إنتاجية فعلية الذي تطالب به الهيئات الدولية مثل صندوق النقد ، لافتا الى هذا الملف جوهر الصراع بين صندوق النقد والواقع السياسي المحلي، فالسلطة السياسية تنظر الى هيكلة القطاع العام غالبا كذريعة أو « شماعة» لتبرير التأخير في الإصلاحات البنيوية أو كشرط يلقى اللوم فيه على صندوق النقد الدولي لتمرير إجراءات تقشفية غير شعبية. والخسارة ستكون مزدوجة وفق علامة، أو (Double face) حيث يقع موظفو القطاع العام بين مطرقة تآكل القيمة الشرائية لرواتبهم وسوء الأوضاع المعيشية، بينما تواجه الدولة سندان ضعف الإيرادات العامة وعجزها عن تمويل وتطوير الخدمات الأساسية، مضيفا: عندما تشل الحركة الاقتصادية وتقفل المؤسسات العامة والخاصة أبوابها تدخل مالية الدولة في حلقة مفرغة من الخسائر الجسيمة. أمام هذا الواقع، نحن نواجه ارتفاعاً في مستوى الاحتقان الاجتماعي، متوقفا عند الاستجابة الحكومية لمطالب الاتحاد العمالي العام التي أثمرت الجهود حزمة مقررات أساسية لصالح العمال والسائقين، الى جانب إكمال المفاوضات حول الحد الأدنى للأجور، التي ساهمت نسبيا في تخفيف حدة الاحتقان. وفي ظل استحالة إعادة هيكلة القطاع العام في الوقت الحالي، يمكن للحكومة اعتماد مقاربات ذكية وموجهة، كزيادة التقديمات لموظفي القطاع العام ورفع قدرتهم الشرائية، تعديل بدل النقل اليومي، وتخصيص حافلات نقل جماعي ( النقل الوظيفي) بشكل يومي بناء على التوزيع الجغرافي لسكن الموظفين، كإجراءات مؤقتة طبعا لانتظام العمل في المؤسسات وتعزيز إيرادات  الدولة.  وختم علامة، أنه ضد الزيادات العشوائية حيث  يرى ان إقرار أي زيادة على الرواتب أو المسميات الوظيفية دون إجراء مسح جدي وشامل للوظائف العامة يؤدي الى أزمات تضخمية، لافتا الى ان العقبة الأساسية أمام أي اصلاح اداري غالبا ما تكون سياسية وليست اقتصادية فقط، حيث اسيء استخدام التوظيف في القطاع العام لسنوات كأداة للمحاصصة وكسب الولاءات مما يجعل إعادة هيكلة القطاع العام بحاجة الى إرادة سياسية حازمة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.