عيد العمال: امتحان العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية

9

المحامي  أسامة العرب

لا يمكن مقاربة عيد العمال بوصفه مجرّد مناسبة رمزية أو عطلة في الروزنامة الرسمية، لأن هذا اليوم، في جوهره التاريخي والسياسي، يمثّل خلاصة مسار طويل من النضال الاجتماعي الذي خاضته الطبقات العاملة في سبيل انتزاع حقوقها الأساسية، وفي مقدّمها الحق في العمل اللائق، والأجر العادل، وساعات العمل الإنسانية، والحماية الاجتماعية. ويعود الأصل التاريخي لهذا العيد إلى أحداث ساحة هايماركت في مدينة شيكاغو الأميركية في الأول من أيار عام 1886، عندما خرج العمال في تظاهرات واسعة للمطالبة بتقليص يوم العمل إلى ثماني ساعات، في مواجهة منظومة صناعية كانت تقوم على الاستغلال المفرط للإنسان العامل. وبعد ثلاث سنوات، أي في عام 1889، اعتمد المؤتمر الاشتراكي الدولي المنعقد في باريس يوم الأول من أيار يوماً عالمياً للعمال، تخليداً لذكرى تلك الأحداث، وتكريساً لهذا التاريخ بوصفه علامة فارقة في تطور الوعي النقابي والاجتماعي في العالم الحديث.

ومن هذا المنظور، فإن عيد العمال ليس عيداً فئوياً خاصاً بالطبقة العاملة فقط، بل هو أيضاً مناسبة أخلاقية وسياسية وإنسانية تعكس مدى رقيّ الدول والمجتمعات في تعاطيها مع الإنسان المنتج، أي مع أولئك الذين يقوم عليهم الاقتصاد الوطني، وتنهض على أكتافهم دورة الإنتاج والخدمات والإدارة العامة والبنى الأساسية للدولة. فالعمال، بمعناهم الواسع، ليسوا هامشاً في المجتمع، بل هم عماده الفعلي، ولذلك فإن أي احتفاء بعيدهم من دون سياسات فعلية تحفظ كرامتهم يبقى احتفاءً ناقصاً، بل شكلياً في كثير من الأحيان.

أما في لبنان، فإن المسار النقابي والعمالي له جذور تعود إلى بدايات القرن العشرين. فقد أُقيم أول احتفال رمزي بعيد العمال عام 1907 في منطقة الروشة في بيروت بدعوة من نخبة من المثقفين، وذلك في مرحلة كان فيها لبنان لا يزال جزءاً من السلطنة العثمانية. وقد حملت هذه الخطوة دلالة مهمة، لأنها عبّرت عن بداية تشكّل وعي اجتماعي حديث يربط بين النهضة الفكرية الناشئة وبين الدفاع عن الفئات العاملة والمنتجة. وبعد الحرب العالمية الأولى، وفي ظل الانتداب الفرنسي على لبنان، أخذ العمل النقابي طابعاً أكثر تنظيماً، فتشكّل أول إطار عمالي منظّم تحت اسم “اتحاد العمال العام” بتاريخ 15 حزيران 1919؛ ثم تعزّز هذا المسار مع تأسيس الاتحاد العمالي العام في لبنان عام 1958، بصفته الإطار النقابي الجامع للعمال اللبنانيين، والذي دأب على إحياء مناسبة الأول من أيار سنوياً عبر احتفالات ومواقف مطلبية وسياسية في بيروت ومناطق لبنانية أخرى، بما يعكس حضور المسألة العمالية في الحياة العامة اللبنانية، وإن بدرجات متفاوتة تبعاً للظروف السياسية والاقتصادية.

غير أن أهمية عيد العمال لا تكمن فقط في استذكار هذا التاريخ النقابي، بل كذلك في كونه محطة مراجعة نقدية لأوضاع الفئات محدودة ومتوسطة الدخل، ولحجم العدالة الاجتماعية المتحققة في المجتمع. فهذا اليوم هو تذكير دائم بأن المجتمعات لا تُقاس فقط بمعدلات النمو أو بحجم الرساميل المتداولة فيها، وإنما أيضاً بمدى قدرتها على حماية الفئات الأكثر ضعفاً، وضمان تكافؤ الفرص، وصون الحق في التعليم والاستشفاء والسكن والكهرباء والمياه والنقل والعمل الكريم. من هنا، يصبح عيد العمال مناسبة للاعتراف بمساهمات العمال في بناء المجتمع، وفي الوقت نفسه مناسبة للتفكير الجاد في التحديات البنيوية التي لا تزال تواجههم، سواء على مستوى الأجور أو ظروف العمل أو الضمانات الاجتماعية أو التمثيل النقابي الفاعل.

لكن ما يجعل عيد العمال في لبنان هذا العام مختلفاً على نحو مؤلم، هو أنه يأتي في لحظة تُعد من أقسى اللحظات التي عرفها العامل اللبناني في تاريخه الحديث. فلبنان لا يرزح فقط تحت وطأة أزمة اقتصادية عابرة، بل يعيش انهياراً شاملاً أصاب بنية الدولة، وأصاب معها المجتمع، والعملة، والمؤسسات، والخدمات العامة، والقدرة الشرائية، والأمن الاجتماعي. فلقد أدى الانهيار الكبير في قيمة العملة الوطنية أمام الدولار إلى تآكل الأجور بصورة دراماتيكية، بحيث بات الراتب الشهري، في كثير من الحالات، عاجزاً عن تأمين الحد الأدنى من مستلزمات العيش: من مسكن ومأكل ومشرب، إلى طبابة واستشفاء، مروراً بكلفة الكهرباء والمياه والاتصالات والنقل.

والمشكلة هنا ليست فقط في تدني الأجور، بل في الانهيار البنيوي للعلاقة بين الدخل وكلفة الحياة. فالعامل اللبناني اليوم يعيش في اقتصاد تتسارع فيه الأسعار بوتيرة تفوق أي قدرة على التكيّف، فيما تبقى السياسات العامة عاجزة أو مترددة أو قاصرة عن إنتاج حلول حقيقية. وحتى عندما يُطرح موضوع زيادة الرواتب والأجور في القطاعين العام والخاص، فإن هذه الزيادات، إن أُقرّت، غالباً ما تتآكل سريعاً بفعل التضخم المتصاعد، وارتفاع أسعار المحروقات، وتكاليف النقل، والسلع الأساسية، والخدمات التي كان يفترض بالدولة أن تؤمّنها أو أن تضبط كلفتها. وبهذا المعنى، فإن الأزمة اللبنانية ليست أزمة أرقام فحسب، بل أزمة كرامة معيشية، لأن العامل لم يعد يطالب بتحسين مستوى حياته بقدر ما بات يكافح من أجل البقاء وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار اليومي لأسرته.

وإلى جانب أزمة الأجور والتضخم، تبرز البطالة بوصفها واحداً من أخطر المؤشرات على عمق الاختلال الاقتصادي والاجتماعي. فارتفاع معدلات التعطل عن العمل، لا سيما بين الشباب والخريجين وأصحاب الكفاءات، لا يهدد فقط الأمن المعيشي للأسر، بل يهدد أيضاً مستقبل لبنان بوصفه مجتمعاً منتجاً وقادراً على التجدد. وعندما تتراجع فرص العمل، وتنهار قيمة الأجور، وتغيب الحماية الاجتماعية، يصبح الاغتراب خياراً قسرياً لا ترفاً، وتتحول الهجرة إلى نزف دائم في رأس المال البشري الوطني. ومن هنا، فإن الحديث عن عيد العمال في لبنان لا يمكن فصله عن الحديث عن تفريغ البلاد من طاقاتها البشرية، وتحويل العمل من عنصر استقرار اجتماعي إلى مصدر دائم للقلق والخوف والارتهان.

لكن البعد الاقتصادي، على خطورته، ليس وحده ما يثقل كاهل العامل اللبناني. فثمة بعد سياسي ووطني يزيد المشهد تعقيداً. إذ يأتي عيد العمال هذا العام في ظل انقسام داخلي عمودي، وتراجع واضح في منسوب الحس الوطني الجامع، وعودة الخطابات التي تستحضر شبح الفتنة والحرب الأهلية بصورة مباشرة أو مبطنة. وهذه ليست مسألة هامشية، لأن العامل لا يعيش في فراغ اقتصادي منفصل عن بيئته السياسية، بل إن الاستقرار الاجتماعي مشروط حكماً بالاستقرار الوطني والمؤسساتي. ففي الدول المنقسمة والمضطربة، يصبح العمل نفسه هشّاً، وتتحول الحقوق الاجتماعية إلى أوراق مؤجلة، بل إلى ضحايا جانبية في صراعات السلطة والمحاور.

إلى ذلك، لا يمكن تجاهل تأثير الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على الأراضي اللبنانية، واحتلال أجزاء كبيرة من الجنوب، وما يرافقه من تهديد دائم للأمن الوطني ولحياة السكان ومصالحهم الاقتصادية والاجتماعية. فالعمال في المناطق الحدودية، كما سائر المواطنين، يدفعون أثماناً مضاعفة في ظل القلق الأمني، وتعطل الأعمال، وتراجع الاستثمار، وتهديد المواسم الإنتاجية، وازدياد الخسائر البشرية والمادية. وعندما يقترن الانهيار الاقتصادي بضغط أمني وعسكري خارجي، تصبح الطبقة العاملة أول من يتلقى الصدمة وآخر من يُعالج جرحه. ولذلك فإن أي قراءة جدية لأوضاع العمال في لبنان اليوم يجب أن تربط بين العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية، لأن كليهما شرط للآخر، ولا يمكن بناء سوق عمل مستقرة في وطن مهدد وممزق ومخترق.

من هنا فإن عيد العمال في لبنان لم يعد مناسبة احتفالية بقدر ما أصبح مناسبة للمساءلة الوطنية الشاملة: مساءلة الدولة عن سياساتها المالية والنقدية، ومساءلة الطبقة السياسية عن فشلها في حماية المجتمع، ومساءلة النخب الاقتصادية عن دورها في إعادة إنتاج اللامساواة، ومساءلة المؤسسات النقابية نفسها عن قدرتها على تجديد خطابها وأدواتها واستقلاليتها. فالمطلوب اليوم ليس فقط رفع الصوت دفاعاً عن العمال، بل إعادة بناء عقد اجتماعي جديد يؤسس لاقتصاد منتج، وسياسة أجور عادلة، ونظام ضمان اجتماعي شامل، ورعاية صحية ميسّرة، وتعليم نوعي، وتمثيل نقابي حر وفعّال، بعيداً عن الارتهان السياسي والانقسامات الطائفية التي أضعفت العمل النقابي وأفقدته كثيراً من دوره التاريخي.

في الخلاصة، إن الأول من أيار في لبنان هو هذا العام مرآة مأساوية لواقع وطني متصدع، حيث تتقاطع الأزمة الاقتصادية مع الانقسام السياسي والتهديد الأمني لتدفع بالعامل اللبناني إلى حافة اليأس. ومع ذلك، فإن قيمة هذا اليوم تكمن في أنه يذكّرنا بأن حقوق العمال لم تكن يوماً منّة من أحد، بل كانت ثمرة نضال طويل، وأن استعادة الكرامة الاجتماعية في لبنان لا يمكن أن تتم إلا عبر دولة عادلة، ومؤسسات مسؤولة، ونقابات مستقلة، وإرادة وطنية تضع الإنسان قبل الحسابات الضيقة. وعليه، فإن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: كيف نحتفل بعيد العمال؟ بل الأهم: كيف ننقذ العامل اللبناني من واقع لم يعد يهدد مستوى معيشته فقط، بل يهدد إنسانيته وحقه في الحياة الكريمة؟

المحامي  أسامة العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.