في الذكرى الثانية لرحيله: سليم الحص ما زال حيّاً فينا

7

المحامي  أسامة العرب

تطل علينا بعد أيام قليلة الذكرى السنوية الثانية لرحيل الرئيس الدكتور سليم الحص، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى استحضار نموذجه، لا من باب الحنين إلى الماضي فحسب، بل من باب استخلاص الدروس التي تفرضها لحظة لبنانية وعربية مأزومة. فسليم الحص لم يكن مجرد رجل دولة تولى رئاسة الحكومة في خمس مناسبات، بل كان نموذجاً نادراً جمع بين صرامة الأكاديمي ونزاهة السياسي وتواضع الإنسان، في بلد طالما افتقر إلى هذا التوازن الدقيق بين السلطة والقيمة.

إن قراءة سيرة الحص اليوم ليست تمريناً في التأريخ الشخصي، بل هي محاولة لفهم كيف يمكن لمسار فردي أن يتحول إلى مرجعية أخلاقية جماعية، تتجاوز حدود الزمن الذي عاش فيه صاحبها لتصبح معياراً يُقاس عليه من أتى بعده.

وُلد سليم الحص يتيم الأب، وعرف في طفولته ظروفاً قاسية وأوضاعاً مادية صعبة، قبل أن يشق طريقه بالمثابرة والاجتهاد حتى نال درجة الدكتوراه بعد أن أتم تعليمه العالي في الولايات المتحدة الأميركية. وهذا المعطى البيوغرافي ليس تفصيلاً هامشياً، بل هو مفتاح أساسي لفهم شخصيته لاحقاً؛ فالرجل الذي بنى نفسه من الصفر لم يكن يوماً جزءاً من طبقة سياسية تقليدية تتوارث النفوذ والثروة، بل جاء إلى الشأن العام من بوابة الجامعة والعلم، حاملاً معه قيم الانضباط الأكاديمي إلى حقل مضطرب بطبعه هو الحقل السياسي.

وهذا المسار التكويني يفسر إلى حد بعيد ما وصفه معاصروه من طيبة قلب ونظافة كف ورجاحة عقل، وهي صفات ظلت ملازمة له، خصوصاً في تعاطيه مع الشأن الأكاديمي والعام على حد سواء.

تولى سليم الحص رئاسة الحكومة اللبنانية في خمس مناسبات، وفق احتساب مسيرته الحكومية على هذا النحو. بدأ ذلك عام 1976 في عهد الرئيس إلياس سركيس، ثم تولى رئاسة الحكومة مجدداً في أواخر عهد الرئيس سركيس. وبعد اغتيال الرئيس رشيد كرامي عام 1987، تولى الحص رئاسة الحكومة بالوكالة في عهد الرئيس أمين الجميل، واستمر في موقعه حتى نهاية الولاية الرئاسية. ثم عاد إلى رئاسة الحكومة في عهد الرئيس إلياس الهراوي بين عامي 1989 و1990، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة مجدداً وأخيراً في عهد الرئيس إميل لحود عام 1998، حيث استمرت حكومته حتى عام 2000.

وقد شكلت هذه المحطات المتعاقبة، وما رافقها من أزمات سياسية ودستورية مفصلية، ولا سيما مرحلة إقرار اتفاق الطائف وتطبيقه، اختباراً حقيقياً لثبات موقفه؛ إذ ظل متمسكاً بشعار الإصلاح والتطوير بصرف النظر عن تبدل الظروف والتحالفات من حوله.

واللافت أن كتابات الحص ومقالاته العديدة ارتبطت عضوياً بهذه المحطات التنفيذية، بحيث لم تكن كتابته منفصلة عن ممارسته، بل كانت امتداداً فكرياً لتجربته، وهذا ما يميزه عن كثير من السياسيين الذين تنفصل أقوالهم عن أفعالهم.

ولعل أكثر ما يُستحضر في سيرة سليم الحص شعاره الشهير الذي ردده طويلاً، ومفاده أن المسؤول يبقى قوياً ما دام لا يطلب شيئاً لنفسه. وهذا الشعار لم يكن مجرد عبارة إنشائية، بل ترجمه الحص عملياً طوال مسيرته؛ إذ لم يُعرف عنه أنه جمع ثروة أو عاش حياة الترف على غرار كثير من نظرائه في الطبقة السياسية اللبنانية.

وتكمن أهمية هذا الموقف في أنه يحول النزاهة من صفة أخلاقية فردية إلى موقف سياسي قابل للمحاسبة والقياس، وهو ما فسّر احترامه حتى من خصومه السياسيين ومنافسيه، ولقبه كثيرون بـ”الآدمي” و”الحكيم” و”ضمير لبنان”، وهي ألقاب لا تُمنح جزافاً في بيئة سياسية عادة ما تكون شحيحة بالثقة تجاه رجالاتها.

في انتخابات عام 2000، خسر سليم الحص مقعده النيابي في دائرة بيروت، رغم كونه رئيساً للحكومة التي أشرفت على تلك الانتخابات. وتحمل هذه المفارقة دلالة عميقة تستحق التوقف عندها تحليلياً: فالرجل الذي أمسك بزمام السلطة التنفيذية لم يستطع أن يحول نزاهته إلى رصيد انتخابي شعبي كافٍ، وهو ما يعكس، في جانب منه، طبيعة النظام اللبناني القائم على شبكات الزبائنية والولاءات الطائفية والمناطقية، أكثر من قيامه على معايير الكفاءة والنزاهة.

ورغم هذه الهزيمة، أعلن الحص اعتزاله العمل السياسي، لكنه ميز بدقة بين العمل السياسي والعمل الوطني، إذ صرح لاحقاً: “لقد اعتزلت العمل السياسي ولم أعتزل العمل الوطني”. واستمر ناشطاً في هيئات عدة، كندوة العمل الوطني، ومنبر الوحدة الوطنية، والمنظمة العربية لمكافحة الفساد، والمؤسسة العربية للديمقراطية، وصندوق العون القانوني للفلسطينيين، والمجلس الإسلامي الشرعي الأعلى. وهذا التمييز بين العمل السياسي والعمل الوطني يعكس نضجاً فكرياً نادراً، إذ فهم الحص أن قيمة الإنسان العام لا تنتهي بانتهاء موقعه الرسمي.

وقد عاصر سليم الحص، بعد اعتزاله الرسمي، إحدى أكثر المراحل اضطراباً في تاريخ لبنان المعاصر، وهي المرحلة التي أعقبت اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وما ترتب عليها من انسحاب القوات السورية ونشوء الاستقطاب الحاد بين فريقي 14 آذار و8 آذار. وفي خضم هذا الانقسام العمودي الذي مزق النسيج السياسي اللبناني، حاول الحص أن يلعب دور الجسر بين الفريقين، سعياً إلى الحد من التصعيد.

غير أن هذه المحاولة، كغيرها من محاولات الوسطية في تلك المرحلة، لم تفلح في تجاوز حدة الاستقطاب، وهو ما يعكس واقعاً أعمق: أن النزاهة الفردية والحكمة الشخصية، مهما بلغتا، تبقيان محدودتي الأثر أمام بنية سياسية طائفية تنتج الانقسام بمعزل عن نوايا أفرادها.

ومن أكثر ما يلخص مأساة المشروع الإصلاحي الذي مثله سليم الحص طموحه إلى نقل لبنان إلى نموذج الدولة الحديثة القائمة على الحوكمة الرشيدة والشفافية والمؤسسات الفاعلة. غير أن هذا الطموح اصطدم، كما وصفه كل من عرفه عن قرب، بصخرة طبقة سياسية منشغلة بمنافعها الشخصية والفئوية أكثر من انشغالها ببناء الدولة. وهذا التناقض بين طموح الإصلاحي ومقاومة البنية القائمة يشكل، من منظور تحليلي، مفتاحاً لفهم أزمة الإصلاح في لبنان بشكل عام: فالمشكلة ليست غياب الأفكار الإصلاحية أو النماذج الناجحة عالمياً، بل غياب البيئة السياسية القادرة على استيعاب هذه الأفكار وتطبيقها.

وفي الذكرى السنوية الثانية لرحيله، أتذكر أخي الكبير الرئيس سليم الحص، وذكرياتي الجميلة معه، وكيف كان يهوى تكليفي تمثيله في المناسبات الوطنية، وكيف عينني نائباً لرئيس صندوق المهجرين، في حين أنه كان يطمح لأكثر من ذلك. فالحص لم يكن مجرد رئيس وزراء تولى رئاسة الحكومة في مراحل متعددة، بل كان نموذجاً نادراً استطاع أن يحافظ على استقلاليته الفكرية ونزاهته الشخصية في بيئة سياسية لا ترحم غالباً من يرفض الانصياع لقواعدها غير المكتوبة.

وقد حمل الحص المسؤولية بمعناها الأعمق، لا كامتياز سلطوي، بل كأمانة يُسأل عنها ويُحاسَب عليها، وهذا ما جعله يدخل التاريخ السياسي اللبناني والعربي من بابه الواسع، لا بوصفه حاكماً، بل بوصفه ضميراً للبنان.

إن إرث سليم الحص اليوم لا يُقاس بما حققه من إنجازات تنفيذية فحسب، بل بما تركه من نموذج للعلاقة الممكنة بين السلطة والأخلاق، وبين الطموح الإصلاحي وحدوده الواقعية، وبين الفشل الانتخابي والنجاح التاريخي. فسيرته، كما مسيرته، تبقى محفورة في الذاكرة اللبنانية، حية قابلة للاستحضار كلما احتاج الوطن إلى تذكير بأن السياسة يمكن أن تُمارس بنظافة كف ورجاحة عقل.

وفي الذكرى الثانية لغيابه، لا يبدو استحضار سليم الحص استعادةً لرجل من الماضي بقدر ما هو استعادة لمعيار نفتقده في الحاضر: أن يكون في السياسة رجل دولة لا يبحث عن نفسه، وأن تكون السلطة لديه مسؤولية لا امتيازاً، وأن يبقى الوطن فوق الحسابات الشخصية والفئوية.

رحم الله الرئيس والكاتب والأكاديمي النزيه، الذي عرف قدر بلاده ومنطقته، وظل، ولا يزال، ضميراً حياً في وجدان اللبنانيين.

المحامي  أسامة العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.