قائد المنطقة الوسطى متفاخراً: ما أجمل احتلال الأرض وقتل أصحابها حين نغلفهما بالأمن!

11

قبل عقد من الزمن، وقع حدثٌ غير مألوف في مؤتمر مركز هرتسليا متعدد التخصصات: فقد نطق اللواء (احتياط) غادي شماني، الذي كان قائد المنطقة الوسطى من 2007 إلى 2009، بكلمة “احتلال”. ولم يكتفِ بالقول: “لقد ارتقينا بالاحتلال إلى مستوى الفن، ونحن بارعون فيه”، بل اعترف في مؤتمر عام 2016: “كنتُ قائد المنطقة الوسطى، ‘بطل الاحتلال’”. من الواضح أن شماني لم يكن أول من خلع بزته العسكرية محذرًا من مخاطر استمرار السيطرة على ملايين الفلسطينيين، لكن وصفه لهذا المشروع بـ “الفن” وتتويجه قائد المنطقة الوسطى سيدًا له، كان بمثابة كشفٍ جديدٍ نسبيًا للأقنعة من قِبَل رجلٍ خرج من قلب النظام وكرّس له أيامه ولياليه، مخاطرًا بحياته.
بالطبع، كان الأوان قد فات، ولم يُغيّر ذلك شيئًا في المسار، وفي النهاية (وهي قريبة جدًا) لن تتمكن دولة إسرائيل من البقاء دولةً يهوديةً وديمقراطية. على العكس تمامًا: ففي غضون أشهر قليلة من ذاك الخطاب، تغيرت الإدارة في البيت الأبيض، وأصبح من الممكن الاحتفاء بمفهوم “حماس ذخر”، مع إجهاض أي مبادرة واقعية لتسوية سياسية في الضفة الغربية. تعاقب “أبطال الاحتلال” على المناصب، ولم يكن مصيرهم المهني محكومًا بنجاحهم في مكافحة الإرهاب بلا هوادة مع الالتزام بالقانون (الإسرائيلي والدولي) والأخلاق الإنسانية، بل بقدرتهم على تجنب إثارة غضب المستوطنين. وعلى سبيل المثال، كلف هذا الطرح اللواء (احتياط) نيتسانألون منصب رئاسة الأركان.
لقد فهم الجيش التلميح، لا سيما بعد انتهاء ولاية اللواء (احتياط) يهودا فوكس، الذي وُجهت إليه انتقادات لمحاولاته التصدي للإرهاب اليهودي. أما خليفته، اللواء آفي بلوط، فهو بالفعل شخصية جديرة بالثقة إذ يكتب رسائل بليغة عن خطر الإرهاب اليهودي – ويُدان من اليمين بسبب هذا الهراء أيضاً – ولكن ما الذي يطالب به حقًا؟ ألا يعرقل هذا الجيش الإسرائيلي من الارتقاء بالتحفة التي تحدث عنها شماني إلى ارتفاعات أعلى.
وهكذا وصل بلوط الأسبوع الماضي إلى مؤتمر “اتحاد المزارعين”، الذي أشاد بالمشروع إشادة بالغة، بل ووصفه بأنه “يتماشى جيدًا مع المفهوم الأمني”. فهو لا يتعارض معه، شريطة أن يكون صحيحًا في العمليات الميدانية والأخلاقية، ووفقًا للقانون. لكن الأمر لا يقتصر على “القانون” الذي يتباهى به بلوط، والذي يدفع إسرائيل إلى مصاف الدول المنبوذة، التي لديها هي الأخرى “قانون” ويعترف بالفصل العنصري عندما يُصفعه الناس به على وجهه: بل إن بلوط حوّل فجأةً أحد أكثر بؤر العنف اشتعالًا ضد الفلسطينيين ونشطاء حقوق الإنسان والجنود الذين يخدمون تحت إمرته إلى مصدر فخر “يتماشى جيدًا مع المفهوم الأمني”. من المثير للاهتمام، بالمناسبة، أن هذا التصريح لم يُنتقد بشدة، رغم أن ضابطًا يرتدي الزي العسكري عبّر عن رأيه في قضية هي على أقل تقدير مثيرة للجدل. وبما أن بلوط ليس (بعد) رئيسًا للأركان، وبالتأكيد ليس وزيرًا للدفاع أو رئيسًا للوزراء، فلا يسع المرء إلا أن يتساءل عما إذا كانت كلماته مقبولة لدى اللواء إيال زامير. بعبارة أخرى، هل يتحمل هو نفسه مسؤولية الاعتراف الصريح بأحد الادعاءات السائدة ضد إسرائيل حتى بين حلفائها، أو ما تبقى منها: أن الجيش الإسرائيلي لا يكتفي بـ”السيطرة” على الأراضي التي احتلتها منذ ما يقرب من 60 عامًا ريثما يُحسم مصيرها، بل ويشارك بنشاط، بل وبحماسة، في خلق هذا الواقع الذي لا رجعة فيه. الشفافية مطلوبة: ففي نهاية المطاف، حتى في لاهاي، هناك تقلبات جوية، وسيحتاج الناس إلى معرفة ما يجب عليهم حزمه.
عيناب شيف
«هآرتس»

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.