كتاب العراق الأسود… خوارزمية اقتصاديات الأحزاب / 2
بقلم علي السراي
وبعد كل انتخابات في البلاد، تخوض الأحزاب مفاوضات لتشكيل الحكومة يبدو ظاهرها سياسي وعقائدي، لكنها في الجوهر ترسم حدود المكاتب الاقتصادية، وحصص أربع سنوات مقبلة، وفق نظام عرفي يحوّل المقاعد البرلمانية إلى نقاط تستخدم لتوزيع الحقائب.
يقول مسؤول سابق طلب عدم ذكر اسمه: «منذ الأسبوع الأول لوصول الوزير أو الوكيل أو المدير العام إلى مكتبه، يتولى فريق من مكتب الحزب الاقتصادي التفاوض على عقود الوزارة (…) إذا سارت الأمور كما خطط لها، يقولون للوزير وقع هنا». يضيف: «من النادر أن تتمكن مؤسسة حكومية من توقيع عقود بعيداً عن سطوة المكاتب».
يفهم من هذا النظام أن الانتخابات لا تشكل الحكومات فقط، بل تعيد توزيع السوق بين الأحزاب. كما يفهم ضمنياً أن الوزير ومئات الدرجات الخاصة يشبه حارس مصرف يترك مفتاح الخزنة تحت الباب.
يفضل صادق الركابي وصف الاقتصاديات بأنها «المركز المالي غير المعلن للمحاصصة السياسية. ومن وجهة نظره، فإن «خطورتها لا تكمن في سرقة المال العام بل في تشكيلها للدولة العراقية».
يقدر الركابي عدد المكاتب الاقتصادية المرتبطة بالأحزاب بنحو 40 شبكة لديها قرابة 200 خلية نفوذ داخل الوزارات ومجالس المحافظات والبلديات والمصارف وغيرها من المؤسسات». ويقول، إن هذه الخلايا أنشأت أكثر من 1000 شركة واجهة أو مقاول مرتبطين بها».
حسب تجار شاركوا في هذا التحقيق، فإن شركات منخرطة مع مكاتب الأحزاب لديها «تجارة حقيقية، نظيفة أيضاً، لكنهم لا يعثرون على فرص حقيقية من دون مصافحة الذين يديرون تجارة قذرة».
ويقول نائب سابق لـ «الشرق الأوسط» إن «بعض الأحزاب خلقت رجال أعمالها صنعتهم من بطانة الحزب تجاراً أصحاب نفوذ بينما تمكن زعماء أحزاب من فرض شراكاتهم على رجال أعمال ناشطين أساساً في السوق». يضيف في مرحلة مبكرة كان العمل يزدهر بالتهديد لكن ثمة نوعين من رجال الأعمال كانا حصيلة سنوات من المكاتب الاقتصادية؛ الأول جماعة رئيس الحزب وهم معفيون من الضرائب بامتيازات استثنائية وتسهيلات نادرة مع دوائر الحكومة، لكنهم يدفعون لتمويل مرشحي انتخابات وشركات ومحطات تلفزيون تقدم خدمات سياسية، بينما يعاني النوع الثاني، ويضم تجار القطاع الخاص، في الحصول على مستحقاتهم التي وصلت حتى عام 2025 نحو 28 مليون دولار حسب اتحاد المقاولين العراقيين.
الحال، أن عشرات المكاتب تستحوذ على نحو 10 في المائة من موازنة الدولة (نحو 15 مليار دولار سنوياً)، عبر مقاولين يوجهون العقود الحكومية، وأفراد يتحركون بين الدولة والأحزاب دون أن يشمل ذلك حصتها من التهريب والاستيلاء على أصول القطاع الخاص.
موظفون بمصرف بغداد في حي الكرادة بالعاصمة يقومون بعد الأموال في يونيو 2004 (غيتي)
دورة المال… من الصيد إلى المأسسة
على مدى عقدين مرت حركة أموال «الاقتصاديات بثلاث مراحل تضمنت تقلبات وأساليب عمل مختلفة تكيفت معها الأحزاب. يقول صادق الركابي إن عائدات الاختلاس في المرحلة الأولى، بين 2004 و 2008، كانت
تهرب إلى الخارج، لشراء عقارات أو أراض أو فنادق». وفي المرحلة الثانية، بين 2010 و 2014، اضطرت المكاتب إلى إنشاء مصارف محلية لإيداع أموالها المسروقة، دون أن توقف تهريبها إلى الخارج.
حسب الركابي، لعبت المصارف في تلك المرحلة دور الوعاء الآمن» الذي يسمح بسحب الأموال بطريقة شبه رسمية، والاستفادة من فرق السعر في نافذة بيع العملة.
وبدأت المرحلة الثالثة منذ أن كشفت وزارة الخزانة الأميركية عن طرق غسل الأموال وتهريبها، وضيق على المصارف وعلى خروج الأموال. يقول الركابي إن المكاتب لجأت حينها إلى إنشاء شركات استجابت لحاجة السوق مثل الشركات العقارية، والمولات التجارية، ومؤخراً أنشأوا مصانع صغيرة».
الحال، أن المصادر تتفق على أن «الاقتصاديات نشأت أول مرة مع اندلاع أعمال العنف بين المجموعات المذهبية، حين أدركت أطراف النزاع أهمية مصادر التمويل في الحرب.
يقول ضابط سابق في الجيش الأميركي خدم في بغداد بين عامي 2004 و 2007 ، إن الأمر كان أشبه بصراع على الموارد بين أمراء حرب. يسطون على البضائع لشراء الأسلحة وتجنيد مقاتلين (…) أتذكر من مشاهدات تعود إلى ذلك الوقت، أن معمل مياه غازية – مثلاً – كان يمول فصيلاً سنياً. في الجهة الأخرى، كانت ميليشيا شيعية تتاجر في الأدوية». تطور الأمر لاحقاً إلى «الخطف من أجل الفدية».
أول نموذج واضح لهذه المكاتب ترسخ مع حكومتي إبراهيم الجعفري القصيرة ونوري المالكي الأولى بين عامي 2006 – 2010. كان بدائياً يلبي حاجات لا تختلف كثيراً عن تاجر مبتدئ في سوق كبيرة.
في هذا النموذج يستحوذ الحزب على عقود الوزارة، يبيعها مباشرة إلى شركات تقوم بتنفيذها مقابل نسبة من الأرباح، قد تكون 30 في المائة.
قبل أن يتولوا مناصبهم، كانت الكوادر الحزبية أمضت سنوات طويلة في معارضة صدام حسين قبل عام 2003. وعندما دخلوا مؤسسات الدولة للمرة الأولى، تعاملوا مع لوائح إدارية لم يسمعوا عنها من قبل، وحضروا جلسات مع أشخاص يتفاعلون بلغة لم يألفوها طيلة مسيرتهم.
يضرب مسؤول سابق مثالاً بشخص كان يشغل موقعاً محورياً في مكتب رئيس حكومة قبل نحو عشرين عاماً، إنه سياسي قليل الحيلة الإدارية، صادف أن يجد نفسه في قلب مفاوضات تأسيسية لـ«العراق الجديد».
يقول المسؤول: «إن ممثل شركة النفط الأميركية (إكسون موبيل) كان لديه موعد مع رئيس الحكومة. قبل ساعة أخبرهم الشخص، وهو قيادي في الحزب الحاكم أيضاً، أن اللقاء حدث بالفعل في اليوم السابق، فلماذا تريد (أكسون موبيل لقاء الرئيس مرة أخرى».
حدثت فوضى وقلق في مكتب الرئيس؛ لماذا لشخصين يمثلان الشركة نفسها أن يكونا داخل المنطقة الخضراء وقد يكون أحدهما منتحلاً للصفة ؟
في النهاية، تبين أن رئيس الحكومة كان اجتمع مع ممثل إحدى شركات الموبايل» أي الهاتف الخلوي اختلط الأمر على موظف مكتبه، ظناً أن إكسون موبيل تعمل في الهواتف أيضاً، وليس النفط.
صحيح أن النموذج البدائي يبدو من الخارج متصدعاً، لكنه أنشأ نموذجاً للتقاسم في داخل النظام. كان من الصعب على حزب وزارة الصحة، على سبيل المثال، أن يقترب من عقود «الكهرباء». في السنوات اللاحقة تداخلت المكاتب والأحزاب.
يشبه هذا النموذج أسلوب الصيد»؛ لا يعرف الصياد أهمية الفريسة. يقول المسؤول السابق: «كانت المكاتب ساذجة في بدايتها، تبيع عقوداً دون أن تعرف مضمونها ، كما أن بعضاً منها لا يُنفذ».
كان لدينا أعمدة إنارة في مدينة الشعلة غرب بغداد محولات كهربائية في مدينة الصدر (شرق بغداد) حدائق عامة في الحلة جنوب بغداد شبكات مجار في الموصل (شمال)، وأمثلة أخرى لمشاريع منفذة على الورق فقط». يقول مسؤول رقابي في وزارة التخطيط.
سيتطور هذا النموذج مع حصول الأحزاب على معرفة أكبر بدهاليز البيروقراطية ليظهر الشكل الثاني من المكاتب وتزداد الأرباح.
يقول المستشار إن قادة الأحزاب توصلوا إلى قناعة بأن بيع العقود للشركات يحرمهم من أرباح أكبر. أسسوا شركاتهم. تراكمت الخبرة وارتفعت النسبة من 30 في المائة إلى 50 أو 60 في المائة».
وعندما بدأت الشركات الجديدة تنفيذ الأعمال، ظهرت مشكلات تتعلق بالتدقيق والحسابات والجودة، وتعثرت
عقود أو لم يكتمل تنفيذها، بسبب سرقات أو فشل أو تلكؤ، وفق المستشار.
أظهر بحث في المصادر المفتوحة أن عدد المشاريع المتعثرة بين عامي 2008 وحتى دخول «داعش» إلى البلاد منتصف 2014 ، بلغ نحو 6 آلاف مشروع. وهي الفترة التي نضج فيها النموذجان الأول والثاني من «الاقتصاديات». بعد انتهاء المعارك ضد «داعش»، وصعود نفوذ الفصائل، تنبهت جماعات متنفذة إلى أن مكاتبها تواجه مشکلات مع العقود التي أحالتها إلى شركاتها. تبين أن بيروقراطية الدولة المتجذرة منذ نحو قرن ليست سهلة، وأن الرقابة والتدقيق يستنزفان الوقت والمال.
خوارزمية الأرباح والكلف
على الفور، ابتكرت الأحزاب نمطاً لتكييف الاقتصاديات. ولد الشكل الثالث من التطور. يقول المستشار: «جرى الاستغناء عن خيار بيع العقود مباشرة مقابل نسبة من الأرباح، وكذلك عن خيار تأسيس شركات تتولى التنفيذ بنفسها، والاتجاه إلى تأسيس شركات وهمية وسيطة. تتولى تسلم العقد من الحكومة، ثم تتفاوض مع المنفذ الحقيقي، وهو شركة متخصصة، للحصول على أفضل سعر ».
بدلاً من الاكتفاء بالحصول على العقد وبيعه، أو إحالته إلى شركة تابعة قد لا تمتلك الخبرة أو الاختصاص أو المعرفة بإجراءات الدولة، تُنشأ شركة وهمية مسجلة رسمياً ) ؛ تتسلم العقود، تحتفظ بها، وتدخل في مفاوضات تشبه المزايدة لاختيار شركة تدفع أفضل مقابل لقاء إحالة العقد إليها.
تعتمد هذه الآلية على اقتطاع نسبة من الربح المتوقع، وليس من القيمة الإجمالية للعقد. يجري احتساب الربحمن الفرق بين الكلفة التخمينية وقيمة العرض الذي تقدمه الشركة. فإذا كانت الكلفة المقدرة للتنفيذ تبلغ 6 ملايين دولار، بينما قدمت شركة عرضاً بقيمة 16 مليون دولار، فإن هامش الربح المتوقع يبلغ 10 ملايين دولار.
يتبع غداً
علي السراي
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.