لبنان بين ضغط الخارج ومخاطر الدّاخل

9

بقلم جوزفين ديب

«أساس ميديا»

لا ينفصل اختبار الجيش اللبنانيّ في اجتماع تامبا بولاية فلوريدا عن اختبار السلطة في الداخل. ففيما يُطلب من لبنان اتّخاذ خطوات أمنيّة أوسع، يتمسّك رئيسا الجمهوريّة جوزف عون والحكومة نوّاف سلام بمواصلة التحقيق في شحنة المتفجّرات المضبوطة في ضهر البيدر. وفي المقابل، يحذّر نوّاب “الحزب” من انفجار الشارع إذا استمرّت السلطة، كما يقولون، في الضغط على “الحزب” والاستجابة للإملاءات الخارجيّة.

هذه ليست ملفّات متوازية فحسب. فالضغط على الجيش والتحذير من الشارع يجريان فيما تتزايد المخاوف من حرب إسرائيليّة جديدة قد توسّع المواجهة إلى الداخل اللبنانيّ. بذلك، يصبح التحدّي أمام الدولة مزدوجاً: كيف تمنع انزلاق لبنان إلى الحرب؟ وكيف تحمي قرارها الأمنيّ والقضائيّ من أن يتحوّل الخلاف السياسيّ إلى صدام داخليّ؟

تامبا: من يقرّر مهمّات الجيش؟

لا تقف أهميّة اجتماع تامبا التقنيّ عند ما سيعرضه الجيش أو ما ستطلبه إسرائيل. بل الإشكاليّة السياسيّة هي في من يحدّد قواعد عمل الجيش، ومن يراقب تنفيذ أيّ ترتيبات أمنيّة، وما المقابل الذي تلتزم به إسرائيل.

تطرح واشنطن آليّة دوليّة للتحقّق من خطوات الجيش اللبنانيّ، بالتوازي مع خطوات إسرائيليّة. لكنّ معلومات “أساس” تشير إلى أنّ إسرائيل ترفض وجود لجنة التحقّق، كما ترفض التجديد لـ”اليونيفيل” أو الاستعاضة عنها بأيّ قوّة دوليّة أخرى. وما تريده هو تنسيق مباشر بين الجيشين الإسرائيليّ واللبنانيّ، من دون وسيط دوليّ.

هذا الطرح يضع لبنان أمام معادلة شديدة الحساسيّة. فالتواصل المباشر قد يتحوّل إلى قناة تفرض فيها إسرائيل شروطها على حركة الجيش، فيما يرفض لبنان منحها دوراً في مراقبة المؤسّسة العسكريّة أو التأثير في قراراتها الميدانيّة. وفي المقابل، لا تزال صيغة التحقّق التي تطرحها واشنطن غير محسومة، في الوقت الذي لا يوجد فيه أيّ اتّفاق على توسيع المناطق التجريبيّة أو على خطوات إسرائيليّة مقابلة.

تقول مصادر أمنيّة إنّ تغيير قواعد عمل الجيش أو توسيع مهمّاته يحتاج إلى قرار سياسيّ، ولا يمكن أن يُفرض عليه في اجتماع تقنيّ. فالجيش لا يستطيع أن يتحمّل وحده تبعات خيارات تمسّ التوازن الداخليّ، فيما تواصل إسرائيل ضرباتها وتحتلّ مناطق لبنانيّة وتمنع استكمال انتشاره حتّى الحدود. وعليه، لا يختبر اجتماع تامبا أداء الجيش وحده، بل قدرة الدولة اللبنانيّة على تحديد ما تطلبه منه، وما تلتزم به سياسيّاً، وكيف تربط أيّ خطوة لبنانيّة بوقف الاعتداءات والانسحاب.

بعبدا: بين فرض القانون والتّحذير من الشّارع

لم يكن الاجتماع الأمنيّ الذي عقده جوزف عون في بعبدا أوّل من أمس مجرّد استجابة للنقاش السياسيّ الداخليّ والخارجيّ حول شحنات المتفجّرات، بل عكس مساراً تصاعديّاً في رسائل عون يبدو أنّه يتّجه نحو مرحلة يصعب التراجع عنها. فالأولويّة، وفق هذا المسار، هي إنجاز التحقيقات في قضيّة شاحنة  ضهر البيدر أوّلاً، ثمّ إحكام الإمساك بالساحة اللبنانيّة ثانياً، في رسالة بدت تحذيريّة إلى “الحزب”، مفادها أنّ اللعب بالداخل اللبنانيّ لم يعد أمراً يمكن التساهل معه.

في المقابل، جاء الردّ فوريّاً عبرتحذير النائب إبراهيم الموسوي من أنّ استمرار الضغط على “الحزب” وبيئته، وما وصفه بالإملاءات الخارجيّة، قد يقود إلى “الانفجار”. وبالتالي يتجاوز هنا الخلاف حدود التحقيق: الدولة تتمسّك بحقّها في تطبيق القانون، فيما يرفع “الحزب” كلفة هذا المسار بالتحذير من الشارع. والاختبار هو ما إذا كانت السلطة قادرة على مواصلة التحقيق وضبط الأمن من دون أن يتحوّل التهديد بالانفجار إلى قيد على قرارها.

تقول مصادر سياسيّة لـ”أساس” إنّ رئاستَي الجمهوريّة والحكومة مصمّمتان على مواصلة التحقيق وملاحقة المتورّطين، فيما أعلن سلام أن “لا سقف للتحقيق إلّا سقف القانون”. لكنّ الموقف السياسيّ وحده لا يكفي. فاستمرار التحقيق يحتاج إلى حماية مؤسّساتيّة، كما يحتاج ضبط الأمن إلى موقف رسميّ موحّد يمنع الاحتكاك من التحوّل إلى مواجهة بين الأجهزة وبيئة “الحزب”.

وإن كانت  التحذيرات  الأخيرة لا تثبت أنّ تحرّكاً في الشارع بات حتميّاً، لكنّها تكشف محاولة لتقييد قرار الدولة قبل أن يقول القضاء كلمته.

منع الحرب يبدأ من الدّاخل

تتحدّث مصادر دبلوماسيّة عن وصول تحذيرات من الانزلاق إلى حربٍ إسرائيليّة جديدة، ومن أنّ تلّ أبيب قد لا تلتزم بالضوابط التي حكمت المرحلة السابقة. وتتركّز المخاوف على أن تؤدّي أيّ ضربة لإيران إلى فتح جبهة إسناد من لبنان، بما يعرّض البلاد لردّ إسرائيليّ أوسع. لا تحسم هذه التحذيرات أنّ الحرب وشيكة، لكنّها تعني أنّ أيّ قرار بالانخراط فيها قد يضع لبنان أمام مواجهة أشدّ من سابقاتها.

غير أنّ خطر الحرب لا يبدأ عند الحدود وحدها. فالانقسام الداخليّ والتحذير من انفجار الشارع يجعلان البلاد أكثر هشاشة أمام أيّ تصعيد إقليميّ. وبالتالي فإنّ تحوّل الضغط السياسيّ الداخليّ إلى اضطراب أمنيّ يعني اتّساع مساحة المواجهة الداخليّة، فيما تواصل إسرائيل فرض وقائع جديدة في الجنوب.

لذلك تقول المصادر إنّ الدعوات إلى تجنيب لبنان الحرب لا تكفي ما دامت أسباب التوتّر الداخليّ تتفاقم. فالمطلوب بشكل ملحّ هو موقف لبنانيّ يمنع استخدام البلاد في مواجهة إقليميّة، ويحمي في الوقت نفسه حقّ الدولة في التحقيق وتطبيق القانون. أمّا الجيش فيحتاج  إلى غطاء سياسيّ واضح لمهمّاته، لا إلى أن يُترك وحده بين مطالب خارجيّة لا يتبنّاها قرار سياسيّ موحّد، واتّهامات داخليّة تستهدف دوره.

بين اجتماع تامبا والتحقيق والتهديدات الإقليميّة، لا يستطيع لبنان أن يتعامل مع كلّ ملفّ على حدة. فحين تصبح الدولة مطالبة بإثبات سلطتها في الخارج والداخل معاً، لا يعود التردّد تفصيلاً إداريّاً، بل يصبح جزءاً من الخطر الذي يواجهها.

جوزفين ديب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.