مؤتمر باريس: نحو دعم الجيش وتثبيت مؤسسات الدولة / 1

6

بقلم د. ابراهيم العرب

في لحظةٍ دقيقة من تاريخ لبنان، تتجاوز فيها التحديات حدود الأمن المباشر إلى صميم فكرة الدولة ووحدتها وسيادتها، يكتسب الاجتماع التحضيري الدولي لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي في باريس أهميةً تتخطى كونه مؤتمراً لتقديم المساعدات العسكرية واللوجستية. فهو، في جوهره، محطة سياسية ودبلوماسية لإعادة تثبيت مكانة المؤسسة العسكرية اللبنانية باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للدولة، وأحد أهم الضمانات الوطنية في مواجهة الانقسام والاضطراب والاعتداءات الخارجية.

ويأتي انعقاد الاجتماع المرتقب في 17 أيلول/سبتمبر في ظل ظروف بالغة الحساسية، تتقاطع فيها ثلاثة مسارات مترابطة: مسار تعزيز مؤسسات الدولة وقدرات الجيش اللبناني، ومسار التفاوض الرامي إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية واستكمال الانسحاب من الأراضي المحتلة، ومسار البحث في مستقبل الوجود الدولي في الجنوب بعد انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» في نهاية عام 2026. ومن هنا، فإن دعم الجيش لا ينبغي أن يُفهم بوصفه مسألة تقنية أو مالية فحسب، بل باعتباره استثماراً في الاستقرار الوطني وفي قدرة الدولة اللبنانية على ممارسة وظائفها السيادية.

إنّ الرهان اللبناني على مؤتمر باريس يقوم على فكرة واضحة: لا يمكن مطالبة الجيش اللبناني بالاضطلاع بمسؤوليات متزايدة، من دون تزويده بالقدرات البشرية والمادية والتقنية التي تمكّنه من تنفيذ هذه المسؤوليات بكفاءة واستدامة. فالجيش اللبناني يتحمل اليوم أعباءً استثنائية تتصل بحماية الحدود، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، والحفاظ على الأمن الداخلي، وتعزيز الانتشار في الجنوب، ومواكبة الاستحقاقات الوطنية الحساسة، فضلاً عن المهمات المرتبطة بحصر السلاح ضمن إطار الدولة. وهذه المهمات لا يمكن أن تنجح بالشعارات وحدها، وإنما تحتاج إلى مؤسسات قادرة، وتجهيزات حديثة، وموارد مالية مستدامة، ودعم دولي جاد.

وتكشف الحاجات المقدرة للجيش، والتي تتجاوز في مجموعها تسعة مليارات دولار، عن حجم الفجوة بين المسؤوليات الملقاة على عاتقه والإمكانات المتاحة له. أما الحاجات العاجلة التي تُقدّر بنحو ثلاثة مليارات دولار، فتشمل مجالات حيوية، من تعزيز الجهوزية العملياتية، إلى مراقبة الحدود اللبنانية ـ السورية، وتعزيز الانتشار جنوباً، ومكافحة خطر المسيّرات، وتطوير البنية الرقمية والاتصالات الاستراتيجية، وتعزيز القدرات البحرية، وإنشاء مراكز المراقبة، وإزالة مخلفات الحروب، فضلاً عن دعم الموارد البشرية والحوافز.

وهنا ينبغي التنبيه إلى مسألة جوهرية: الاستثمار في الجيش اللبناني ليس إنفاقاً عسكرياً بالمعنى الضيق، بل هو استثمار في الدولة اللبنانية نفسها. فكل دولار يُنفق لتعزيز قدرة الجيش على مراقبة الحدود أو حماية المواطنين أو إزالة مخلفات الحرب أو تطوير منظومات الاتصال والرقابة، إنما يسهم في ترسيخ سلطة المؤسسات الشرعية، وفي تقليص مساحات الفراغ الأمني التي يمكن أن تستغلها القوى الخارجة عن إطار الدولة. فلقد أثبت الجيش اللبناني، عبر تاريخه الطويل، أنه ليس مؤسسة لفئة أو طائفة أو منطقة، بل مؤسسة وطنية جامعة، تتجسد فيها فكرة لبنان الواحد بكل تنوعه. وهذه الحقيقة تكتسب اليوم قيمة استثنائية. ففي المجتمعات المنقسمة، لا تكون قوة الجيش في عديده وسلاحه فقط، بل في قدرته على أن يبقى فوق الانقسامات السياسية والطائفية والمناطقية، وأن يحافظ على ثقة اللبنانيين بوصفه مؤسسة وطنية مشتركة. ومن هنا، فإن الإشادة بالجيش اللبناني ليست مجاملة وطنية، وإنما اعتراف بدور مؤسسة أثبتت، في أصعب الظروف، أنها قادرة على حماية الحد الأدنى من الاستقرار وعلى منع الانزلاق إلى الفتنة والانقسام.

وفي هذا السياق، لا بد من توجيه تحية تقدير إلى قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، لما أظهره من حرص على مصلحة المؤسسة العسكرية ومصلحة الوطن، ولما بذله من جهود للحفاظ على تماسك الجيش ولحمته الوطنية في مرحلة شديدة التعقيد. إنّ القيادة العسكرية في مثل هذه الظروف لا تُقاس فقط بقدرتها على إدارة العمليات، وإنما كذلك بقدرتها على حماية المؤسسة من التجاذبات، وعلى إبقاء الجيش موحداً ومتماسكاً، وعلى صون العقيدة الوطنية الجامعة. ومن هذه الزاوية، فإن العماد رودولف هيكل يستحق التقدير بوصفه رجل الانصهار الوطني والعيش المشترك، وقائداً أدرك أن قوة الجيش الحقيقية تكمن أولاً في وحدته الداخلية، وأن حماية هذه الوحدة هي في حد ذاتها حماية للبنان. فلقد استطاع، بحكمته واتزانه، أن يحافظ على تماسك المؤسسة العسكرية ولحمتها، وأن يحول دون انتقال التوترات السياسية والأمنية إلى داخل الجيش، وهو أمر بالغ الأهمية في دولة عانت طويلاً من آثار الانقسامات.

إن الجيش، في نهاية المطاف، هو عماد الوطن، وحين يبقى الجيش موحداً يبقى أحد أهم جسور التواصل بين اللبنانيين قائماً. وإن الحديث عن حصر السلاح في يد الدولة يجب ألا يُفصل عن الواقع الميداني والسياسي الذي تعمل فيه المؤسسة العسكرية. فالجيش لا يستطيع أن يؤدي دور الدولة كاملاً إذا لم تتوافر له الظروف السياسية والأمنية والمادية التي تسمح له بذلك. ومن غير المنطقي أن يُطلب منه الانتشار وحماية الحدود وفرض الأمن ومواجهة التهديدات، فيما تبقى قدراته أقل بكثير من حجم المهمة. ولهذا، فإن الدعم الدولي للجيش ينبغي أن يترافق مع دعم سياسي لمبدأ الدولة ومؤسساتها الدستورية، بما يسمح للمؤسسة العسكرية بأن تضطلع بدورها من دون أن تتحول إلى طرف في الصراعات السياسية.

وتكتسب مسألة مستقبل «اليونيفيل» أهمية خاصة في ضوء قرب انتهاء مهمتها في نهاية عام 2026. فالانسحاب أو انتهاء المهمة الدولية من دون ترتيبات بديلة واضحة قد يخلق فراغاً أمنياً لا يصب في مصلحة لبنان ولا في مصلحة الاستقرار الإقليمي. ولذلك فإن البحث عن صيغة دولية تضمن استمرار الدعم والمراقبة والاستقرار في الجنوب يجب أن يكون جزءاً أساسياً من أي مقاربة دولية للمرحلة المقبلة. وفي هذا الإطار، يصبح تعزيز قدرات الجيش ضرورة لا خياراً؛ إذ إن أي صيغة مستقبلية للوجود الدولي في الجنوب يجب أن تقوم على تعزيز دور الدولة اللبنانية والجيش اللبناني، لا على تكريس بديل دائم عن الدولة.

يتبع غداً

د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.