مبادرة لتشكيل لائحة أعيان بيروت لإنقاذ العاصمة

12

المحامي أسامة العرب
في ظلّ الظروف الصعبة التي تمرّ بها بيروت، عاصمة الوطن ورمز وحدته وتاريخه، بات من الضروري إطلاق مبادرة جامعة تُعلي المصلحة العامة فوق أي اعتبار سياسي أو انتخابي ضيّق. فبيروت اليوم تواجه أزمات متراكمة لم تعد خافية على أحد، بل أصبحت جزءًا من الحياة اليومية لأهلها. بطالة متفاقمة، انهيار اقتصادي أرهق المؤسسات والأسر، تراجع في مستوى الخدمات الأساسية، طرقات مليئة بالحفر تعكس إهمالًا طويل الأمد، أزمات نفايات متكررة تشوّه المشهد الحضاري وتؤثر سلبًا على الصحة العامة، عتمة شاملة تزيد من أعباء المواطنين، وارتفاع في معدلات الفقر مع اقتراب شهر رمضان المبارك، حيث تتضاعف المسؤوليات الاجتماعية والإنسانية على العائلات البيروتية.
إن هذا الواقع المؤلم يفرض مسؤولية تاريخية على القيادات والشخصيات البيروتية الفاعلة، ويدعو إلى تجاوز الحسابات الضيقة والتباينات السياسية لمصلحة مشروع إنقاذي جامع. فبيروت لم تكن يومًا مدينة منقسمة على ذاتها، بل شكّلت على الدوام مساحة تلاقٍ واعتدال وانفتاح، واحتضنت مختلف المكونات اللبنانية في إطار من العيش المشترك والتنوع الثقافي والسياسي. ومن هنا، تبرز فكرة تشكيل “لائحة أعيان بيروت” كإطار توافقي يضم شخصيات وطنية ذات حضور وخبرة، قادرة على توحيد الجهود وإطلاق مسار إصلاحي حقيقي يعيد للعاصمة دورها ومكانتها.
إن هذه اللائحة المقترحة لا تقوم على منطق المحاصصة أو التسويات المرحلية، بل على رؤية إنقاذية واضحة تتجاوز الاستقطاب التقليدي. ويمكن أن تضم شخصيات وازنة تمثل ثقلًا سياسيًا وشعبيًا، مثل دولة الرئيس سعد الحريري، والسيد صائب بك سلام، والنائب المهندس فؤاد مخزومي، إلى جانب قوى وشخصيات فاعلة من مختلف المكونات الإسلامية والمسيحية، بما يعكس التنوع البيروتي الأصيل وروح الشراكة الوطنية. إن اجتماع هذه القوى حول برنامج موحّد سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا من شأنه أن يطمئن الناخبين، ويعزز الثقة بإمكانية تحقيق تغيير فعلي بعيدًا عن الصراعات العبثية التي استنزفت المدينة وأهلها.
إن توحيد الصفوف عبر لائحة توافقية يجنّب بيروت معركة انتخابية محتدمة قد تؤدي إلى تشتت الأصوات وكثرة اللوائح التي تفتقر إلى رؤية واضحة، ويحول دون انقسامات نحن في غنى عنها في هذه المرحلة الحساسة. فالناخب البيروتي اليوم لا يبحث عن خطابات شعبوية أو شعارات آنية، بل عن مشروع عملي قابل للتنفيذ، يتضمن آليات واضحة للمتابعة والمحاسبة، ويضع معايير شفافة لإدارة الشأن العام.
وعليه، فإن البرنامج المقترح لهذه اللائحة يجب أن يرتكز على أولويات ملموسة وعاجلة. في طليعتها معالجة أزمة النفايات عبر حلول مستدامة تعتمد الإدارة الحديثة والتدوير والرقابة الصارمة، وإطلاق خطة متكاملة لإصلاح البنية التحتية وصيانة الطرقات وتحسين شبكة الصرف الصحي. كما ينبغي العمل على تحسين التغذية بالكهرباء والمياه من خلال تنسيق فعّال مع الجهات المختصة، والسعي إلى استقطاب دعم دولي وتقني يعزز قدرات البلدية والمؤسسات المحلية.
اقتصاديًا، من الضروري دعم المبادرات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد البيروتي، وتوفير حوافز للمستثمرين، وتفعيل الأسواق التجارية التقليدية التي عانت من الركود. أما اجتماعيًا، فيجب تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي، ودعم الأسر الأكثر ضعفًا، وتأمين برامج مساندة تعليمية وصحية تخفف من وطأة الأزمة على الفئات الهشة، خصوصًا في الأحياء الشعبية التي تحملت النصيب الأكبر من التدهور الاقتصادي.
كما لا يقلّ أهمية عن ذلك ترسيخ مبدأ الشفافية والمساءلة في إدارة الموارد العامة، عبر نشر تقارير دورية حول الإنفاق والمشاريع، وإشراك المجتمع المدني والهيئات الرقابية في عملية التقييم والمتابعة. فالإصلاح الحقيقي لا يقتصر على تحسين الخدمات، بل يتطلب أيضًا استعادة ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها.
لقد طُرحت هذه المبادرة خلال لقاء مع دولة الرئيس تمام سلام، في إطار التشاور الصريح والمسؤول حول سبل إنقاذ بيروت، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن المرحلة تستوجب تضافر الجهود وتقديم المصلحة العامة على أي اعتبار آخر. كما نؤكد احترامنا الكامل لحياد المرجعيات الدينية، وفي مقدمتها سماحة مفتي الجمهورية الشيخ الدكتور عبد اللطيف دريان، الذي يُعرف بحرصه على وحدة الصف وعدم الانحياز لأي طرف. إننا إذ نثمّن هذا النهج الجامع، نتطلع إلى دعم معنوي يعزز روح التلاقي ويكرّس أولوية الصالح العام البيروتي.
إن بيروت تستحق منا جميعًا وقفة ضمير ومسؤولية، وتستحق أن نكون أوفياء لتاريخها العريق وتضحيات أهلها. فالمطلوب اليوم ليس مجرد تحالف انتخابي عابر، بل رؤية مشتركة تؤسس لمرحلة جديدة من العمل الجاد والمسؤول، وتعيد الأمل إلى المواطنين بأن مدينتهم قادرة على النهوض من كبوتها. فإذا توحدت الإرادات الصادقة حول برنامج واضح وأهداف محددة، يمكن لبيروت أن تستعيد دورها الطبيعي كعاصمة للحياة والحرية والكرامة، وكنموذج للعيش المشترك والاعتدال في وطن يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى مساحات جامعة ومبادرات إنقاذية شجاعة.
المحامي أسامة العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.