محمد الحوت وأجنحة الأرز… حكاية عشق لبنانية

5

بقلم دافيد عيسى

سياسي لبناني

في لبنان، نعرف كيف نحتفي بالفشل أكثر مما نعرف كيف نحتفي بالنجاح.

نتوقف طويلًا عند الإخفاقات والفضائح، نُكثر من تداولها، وننصّب أنفسنا قضاةً نصدر الأحكام ونوزّع الإدانات.

أما النجاح، فغالبًا ما يمرّ بصمت، وكأنه أمر عابر لا يستحق التوقف عنده.

لكن الموضوعية تفرض علينا أن ننظر إلى الصورة كاملة.

فالنجاح في بلد عاش عقودًا من الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، وتوالت عليه الحروب والانهيارات، ليس أمرًا عاديًا.

وحين يتعلق الأمر بمؤسسة تحمل اسم لبنان إلى العالم، يصبح النجاح مسؤولية وطنية وإنجازًا يستحق التقدير.

من هنا، تستحق تجربة «طيران الشرق الأوسط» التوقف عندها.

فهي ليست مجرد شركة طيران، بل واحدة من المؤسسات التي حافظت على حضور لبنان في الخارج، وبقيت صلة وصل بين الوطن والعالم، رغم كل ما مرّ به البلد.

وفي قلب هذه التجربة يقف رئيس مجلس إدارة الشركة محمد الحوت، الذي ارتبط اسمه بمسيرتها طوال نحو ثلاثة عقود، في واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ لبنان الحديث.

ولفهم حجم ما تحقق، لا بد من العودة إلى أواخر التسعينيات، عندما كانت «الميدل إيست» ترزح تحت أعباء مالية وخسائر ضخمة، إلى حدّ أن طُرح بيعها بدولار أميركي واحد للتخلص من أعبائها وديونها.

من هنا بدأت الحكاية.

تولى محمد الحوت قيادة الشركة بدعم من مصرف لبنان، وكان التحدي أكبر من مجرد وقف الخسائر.

المطلوب كان إنقاذ مؤسسة مهددة، وإعادة بنائها على أسس تسمح لها بالبقاء والتطور في بلد لا يعرف الاستقرار طويلًا.

ثم جاءت السنوات لتضع هذا الخيار أمام الاختبار.

حروب وأزمات سياسية، توترات أمنية، إقفال طرق، انهيارات مالية واقتصادية… وفي كل مرة كان على الشركة أن تجد طريقًا للاستمرار.

ومع ذلك، بقيت «الميدل إيست» تعمل وتحافظ على دورها كناقل وطني، في بلد يشكل فيه المطار بوابة أساسية إلى العالم، وترتبط فيه حركة الطيران مباشرة بحياة اللبنانيين والمغتربين والسياح ورجال الأعمال.

وهنا تكمن قيمة التجربة.

فإدارة شركة طيران في ظروف طبيعية تحتاج إلى خبرة وكفاءة وقرارات دقيقة.

أما إدارتها في بلد يعيش على وقع الأزمات والحروب، فتضيف إلى كل ذلك مسؤولية الأمن والسلامة واستمرارية التواصل مع العالم.

لم تكن القرارات تشغيلية وتجارية فحسب؛ كان عليها أن تحافظ على سلامة الركاب والطواقم، وعلى قدرة المؤسسة على العمل في أصعب الظروف، وأن توازن بين المخاطر والتحديات والحاجة إلى إبقاء لبنان متصلًا بالعالم.

لكن النجاح لا يُقاس بالصمود وحده.

بعد أن نجحت «الميدل إيست» في تثبيت أقدامها، انتقلت إلى سؤال أصعب: كيف تنتقل من مؤسسة تقاوم الأزمات إلى مؤسسة تستعد للمستقبل؟

هنا بدأت مرحلة التطوير.

تحديث الأسطول، وتوسيع شبكة الخطوط، وتعزيز الحضور، ومواكبة التحولات في صناعة الطيران، كلها عناوين تعكس انتقال الشركة من منطق البقاء إلى منطق النمو والاستعداد للمرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، تأتي زيارة محمد الحوت إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون مؤخرآ، حيث عرض خطة «الميدل إيست» لتحديث أسطولها من خلال إدخال ثماني طائرات جديدة تباعًا، إلى جانب التوجه نحو إعادة تشغيل خط نيويورك، وإطلاق «Fly Beirut» في حزيران 2027 بتعرفة سفر مخفّضة.

وهكذا، لم تعد المعركة معركة بقاء، بل أصبحت معركة تطوير وتوسّع ومنافسة واستشراف للمستقبل.

وإذا كان نجاح شركة طيران في بيئة مستقرة يتطلب الكثير، فإن الحفاظ على شركة ناجحة وتطويرها في بلد مثل لبنان، وفي منطقة لا تزال تعيش على وقع التوترات والاعتداءات، يحمل دلالة إضافية.

وفي بلد تعاني فيه مؤسسات كثيرة من الخسائر والتراجع، تبقى «الميدل إيست» واحدة من المؤسسات اللبنانية التي حافظت على استمراريتها وربحيتها، وطوّرت أسطولها وحضورها، واستمرت في أداء دورها كناقل وطني، وفي دعم حركة الاقتصاد والسياحة والاغتراب.

لكن الجانب الأكثر دلالة في تجربة محمد الحوت قد لا يكون في الأرقام وحدها، بل في تعاطيه مع النجاح.

فالرجل، الذي حظي مؤخرًا بتكريم من دولة بلجيكا وملكها بمنحه وسام ليوبولد الثاني برتبة قائد، لم يتعامل مع التكريم باعتباره إنجازًا شخصيًا، بل سارع إلى تقاسم ثمرة النجاح مع الفريق الذي رافقه وسانده طوال العقود الثلاثة الماضية، مؤكدًا أن هذا التكريم «هو لعائلة طيران الشرق الأوسط بقدر ما هو لي».

في زمن يكثر فيه البحث عن الأضواء، تبدو هذه العبارة أكثر من مجرد تعبير عن التواضع الشخصي؛ إنها تعكس فهمًا عميقًا لطبيعة العمل المؤسساتي، حيث يصنع النجاح منظومة متكاملة تبدأ برئيس الشركة، مرورًا بالطيارين والمضيفين والعاملين في مختلف الأقسام، وصولًا إلى أصغر موظف على الأرض.

فنجاح المؤسسة هو في نهاية المطاف ثمرة جهد جماعي، يتكامل فيه دور الجميع، كلٌّ من موقعه ومسؤوليته.

وتكمن أهمية هذا التكريم في أنه يأتي من دولة أوروبية عريقة قدّرت ما قام به الحوت وما حققه في إدارة «طيران الشرق الأوسط»، الأمر الذي يفتح الباب أمام التوقف عند تجربة لبنانية استطاعت مواجهة أزمات استثنائية، والحفاظ على استمراريتها، والانتقال من مرحلة الإنقاذ إلى مرحلة التطوير والنمو.

بعد نحو ثلاثة عقود، يصعب تجاهل المفارقة.

شركة كان مطروحًا التخلص من أعبائها وديونها ببيعها بدولار واحد، تستعد اليوم لاستقبال طائرات جديدة، وإعادة فتح وجهات، وتوسيع آفاق شبكتها، والنظر إلى المستقبل. بين الدولار الواحد والطائرات الجديدة، مسافة تختصر حكاية طويلة.

هي حكاية مؤسسة نجت من حافة الانهيار، وصمدت في وجه الحروب والأزمات، ثم قررت ألا تكتفي بالصمود، بل أن تجعل منه نقطة انطلاق.

وهي أيضًا حكاية رجل ارتبط اسمه بهذه المؤسسة طوال نحو ثلاثة عقود، فكان نجاحه من نجاحها، وكانت مسيرته جزءًا من مسيرتها.

أما المستقبل، فلن يكون أقل تحديًا.

سوق أكثر تنافسية، وأسطول يحتاج إلى التطوير المستمر، ووجهات جديدة، ومتغيرات اقتصادية وأمنية لا تزال تحيط بلبنان والمنطقة.

لكن التجربة أثبتت أن المؤسسة التي تعرف كيف تواجه الأزمات، تستطيع أن تصنع من الصمود فرصة للمستقبل.

ثلاثة عقود من قيادة «أجنحة الأرز» ليست مجرد مسيرة في إدارة شركة طيران.

إنها حكاية لبنانية بدأت من حافة الانهيار، وعبرت فوق أزمات وحروب وانهيارات، وحافظت على أجنحتها مرفوعة.

وربما لهذا تحديدًا، فإن حكاية محمد الحوت مع «طيران الشرق الأوسط» ليست حكاية مدير وشركة فحسب، بل حكاية عشق لبناني لـ«أجنحة الأرز»… تلك الأجنحة التي، رغم كل شيء، لا تزال تحلّق.

دافيد عيسى

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.