مطار القليعات مع أهميته الاقتصادية يمثل إختباراً حقيقياً لإرادة الدولة

ونفّاع لـ «الشرق» الكلام عن تنمية عكار حقيقي لكنه يقلل من حجم الفرصة الوطنية التي يمثلها هذا المرفق

10

كتبت ريتا شمعون
مطار القليعات ( المعروف رسميا باسم مطار الرئيس رينيه معوض) هو مطار يقع في منطقة عكار الساحلية شمال لبنان، ويمتد على مساحة 5,5 ملايين متر مربع ويبعد نحو 25كلم عن مدينة طرابلس، تمّ إنشاؤه عام 1941 كمطار عسكري خلال الحرب العالمية الثانية، شهد عبر العقود محطات وتحولات سياسية واقتصادية بارزة وصولاً الى إطلاق مسار تأهيله ليصبح المطار المدني الثاني في لبنان في 6 من الشهر الجاري.
وصفت هذه الخطوة بالتاريخية لمنطقة الشمال وعكار في لبنان حيث هبطت اول طائرة مدنية تقل رئيس الحكومة نواف سلام في مطار الرئيس رينيه معوض – القليعات إيذاناً بإطلاق المسار الرسمي لتأهيل المطار وإعادته الى الخدمة.
بحسب الخبراء والمحللين، يهدف إطلاق تأهيل وتشغيل مطار رينيه معوض – القليعات في عكار الى كسر الحرمان المزمن شمالاً، مما يتيح له دوراً رئيسيا في الشحن التجاري والتصدير الجوي السريع للمنتجات الزراعية والصناعية، كما يمثل ضرورة استراتيجية كمنفذ جوي حيوي بديل عن مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت عند احتمال تعرضه لأي اعتداءات أو مضايقات.
من الأولى أن يتحدث عن أهمية مطار القليعات إلا أهل الشمال، هم الأجدر والأكثر دراية بشؤون منطقتهم للتحدث عنه ونقل واقعه بمصداقية لأنهم يعايشون تفاصيلها اليومية بشكل مباشر، إنه الناشط السياسي الشمالي اللبناني ,واحد أبرز الناشطين المتخصصين في سياسات الحوكمة والنقل المتكامل الدكتور كارلوس نفّاع رئيس جمعية Train Train ، لا يرى في المطار مدرج طويل، مساحات شاسعة، أو مجرد مرفق معطل في أطراف البلاد، بل يراه اختباراً حقيقيا لإرادة الدولة في إصلاح نفسها.
حين يتحدث الناس عن مطار القليعات، يتحدثون عن تنمية الشمال المحروم، أنت تطرح الأمر بشكل مختلف تماما، كيف ترى هذا المطار؟
يقول نفّاع، إن الخطا المنهجي الذي وقعنا فيه تاريخيا هو النظر الى مطار القليعات من زاوية إنمائية ضيقة، كأننا نطالب « بحصة» للشمال من الخدمات، مؤكدا ان هذه ليست الصورة الحقيقية، ما نتحدث عنه هو « عقدة نقل متعددة الوظائف» تستوفي شروطاً نادراً ما تجتمع في مكان واحد : موقع جغرافي مستو يسمح بالتوسع، وقرب مباشر من مرفأ طرابلس، وامتداد طبيعي للمنطقة الاقتصادية الخاصة. مضيفا: هذا المطار، إن أحسن توظيفه، يصبح عمود فقري لوجستيا يربط الإنتاج الزراعي والصناعي في الشمال والبقاع بالأسواق الخارجية، بكلفة ادنى وزمن تسليم أقصر، والكلام عن ( تنمية عكار) حقيقي، لكنه يقلّل من حجم الفرصة الوطنية التي يمثلها هذا المرفق.
إذا الوظيفة الأساسية ليست نقل الركاب؟
يجيب نفّاع: حين تريد منافسة مطار بيروت على الركاب التقليديين، انت تخوض معركة خاسرة سلفا، لكن حين تقرر أن القليعات هو مطار الشحن الجوي ( Cargo) وخدمات الطيران منخفض الكلفة ومراكز صيانة الطائرات، فأنت لم تعد تنافس بيروت، بل تكمله، هذا هو مبدأ التخصص الوظيفي في إدارة شبكات النقل، وهو ما تعتمده كل الدول التي تمتلك أكثر من مطار.
وأضاف، أن الشحن الجوي هو الفرصة الذهبية، لافتا الى ان لبنان يصدر منتجات زراعية وصناعية وصيدلانية تحتاج الى سرعة، اليوم كل شيء يمرّ عبر بيروت، مما يرفع الكلفة ويطيل الوقت، ويثقل المطار الوحيد بأعباء فوق طاقته، فوجود مطار شحن متخصص في الشمال يغير المعادلة كليا.
ورداً على سؤال، يشرح نفّاع بدقة المشاكل التي اخّرت تشغيل مطار القليعات لعقود، قائلاً: العائق الأول كان سياسيا بامتياز ، تحت عنوان « احتكار المرفق الواحد» لافتا الى ان هناك توجه ضمني أثر تركيز حركة الملاحة الجوية في مطار بيروت، لاعتبارات نفوذ وتوزيع ربوع اقتصادية وكل من استفاد من هذا الاحتكار لم يكن لديه مصلحة في فتح المجال لمنافسة حقيقية.
أما العائق الثاني، كان بنيويا « تشتت الصلاحيات» حين تتوزع إدارة قطاع ما بين مديرية عامة ووزارة ومجلس وزراء، لا تنتج كفاءة تشاركية بل شلل قراري، لا احد يستطيع أن يتخذ قراراً وحده، وكل طرف يستطيع أن يعطل القرار ، هذه ليست مصادفة، إنها نتيجة طبيعية لغياب الفصل الواضح بين ثلاث جهات لا بد منها في أي منظومة نقل سليمة : الجهة المالكة للأصل، والجهة التنظيمية، والجهة المشغلة.
وماذا عن الهواجس الأمنية، يؤكد نفّاع، نعم الهواجس الأمنية حقيقية، لكنها كانت تستخدم أحيانا ذريعة لتعطيل المشروع أكثر مما كانت مشكلة فعلية تستحق الحل.
ويضيف في السياق، وقوع المطار قرب الحدود الشمالية يفرض اشتراطات أمنية جدية، وهذا أمر مشروع تماما لكن المشكلة لم تكن في غياب الإرادة الأمنية، بل في غياب جهة تنسيق واضحة تجمع الجيش اللبناني والأجهزة المختصة والإدارة المدنية تحت سقف مرجعية واحدة، حين لا توجد هذه المرجعية تتحول الاشتراطات الأمنية المشروعة الى متاهة إدارية لا نهاية لها، لافتا الى ان الحل ليس التهاون بالأمن، الحلّ هو توحيد المرجعية وهذا تحديدا ما يجب أن تفعله الهيئة الناظمة للطيران المدني.
وتابع نفّاع، ما كان يحدث سابقا هو أن أي قرار بشأن مطار القليعات كان يمر عبر شبكة من المصالح المتشابكة، الآن مع هيئة ناظمة مستقلة، يصبح بالإمكان إدارة الملف « كقضية تقنية واقتصادية بحتة» بعيدا عن منطق المحاصصة، وهذا بالضبط ما ينتج ثقة المستثمر الدولي، ثقة لا تبنى بالإعلانات بل بمسار مؤسسي موثوق وقابل للتحقق.
أما كيف تترجم هذه الاستقلالية على أرض الواقع؟
هناك أربعة مسارات عملية لا يمكن تجاوزها وفق نفّاع،
المسار الأول، « إزالة التسييس» أي إخراج الملف نهائيا من دائرة التجاذبات وإدارته بمعايير الكفاءة والجدوى الاقتصادية، هذا وحده يفتح الباب أمام شركات الطيران الدولية التي تبحث عن استقرار تنظيمي قبل أي شيء آخر.
المسار الثاني، هو صياغة « أطر قانونية واضحة للشراكة مع القطاع الخاص» نموذج (BOT) أي البناء والتشغيل ثم التحويل، هو الأنسب برأيي لتطوير البنية التحتية للمطار لكن نجاحه مشروط بشيء واحد شفافية العقد الذي يستقطب الاستثمار المنتج.
المسار الثالث، هو توحيد المرجعية الأمنية والفنية تحت مظلة الهيئة، بالتنسيق المباشر مع الجيش اللبناني، هذا يحول الاشتراطات الأمنية من عائق الى ضمانة، ويثبت لمنظمة ICAO أن لبنان يطبق المعايير الدولية للطيران المدني.
المسار الرابع، الأكثر جرأة هو سياسة « الأجواء المفتوحة» Open Skies موجهة لقطاع الشحن والطيران منخفض التكلفة، تخصص حصراً لمطار القليعات، هذا يخلق بيئة تنافسية حقيقية دون أن يتصادم مع الهيكل التشغيلي القائم في مطار بيروت.
ويؤكد نفّاع، أن مطار القليعات لن يبلغ طاقته الكاملة إن ظل جزيرة معزولة، يجب ربطه شبكيا عبر سكك الحديد والطرق السريعة مع مرفأ بيروت والمرافىء الجافة المقترحة، هذا الترابط هو ما يجعله عقدة لوجستية فعلية لا مجرد مطار إضافي.من هنا تأتي أهمية اعتماد استراتيجية وطنية متكاملة للنقل، تربط الجو بالبحر بالبرّ في رؤية واحدة، لا ان تعالج كل مرفق كجزيرة مستقلة.
وختم نفّاع قائلاً: أعرف جيدا أن المسافة بين القرار والتنفيذ في لبنان قد تكون أطول من المسافة بين بيروت والقليعات، ولكن ما يجعلني أتفاءل هو ان هناك اليوم « أدوات مؤسسية» لم تكن موجودة من قبل : هيئة ناظمة مستقلة، وإطار قانوني للشراكة مع القطاع الخاص، وضغط دولي متزايد نحو الإصلاح ، المعادلة تغيرت سائلاً: هل تملك الدولة الإرادة الكافية لتطبيق قوانينها على نفسه؟
وجوابي، لن يبنى الإصلاح على تصريحات بل على ما سيحدث في الأشهر القادمة على أرض القليعات.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.