معركة “فجر اليمن”: من “تعزغراد” إلى صنعاء..قطع “الذراع الرابع”؟ / 1

10

بقلم ابراهيم ريحان

«أساس ميديا»

تُعتبر معركة “فجر اليمن” التحوّل الاستراتيجي الأبرز في البلاد منذ الانقلاب الحوثيّ ضد الشّرعيّة اليمينّة في 2015. تجاوزت التحولات العسكرية الميدانية والدبلوماسية الأخيرة في الجغرافيا اليمنية نطاق الصراع المحلي الداخلي والمحض، لتلتحق بعمق التدافع الإقليمي والدولي الكبير الممتد من مياه الخليج العربي وصولاً إلى شرق البحر الأبيض المتوسط.

شكّل إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، التعبئة العامة وانطلاق المعركة الهجومية الشاملة ضمن عملية “فجر اليمن”، بالتزامن مع التقدم الميداني المتسارع للقوات الحكومية في محاور تعز وذوباب والمخا وصولاً إلى التأمين المباشر لمرتفعات باب المندب ومطاره الاستراتيجي، نقطة التحول الأكثر مفصلية في تعديل قواعد الاشتباك وميزان القوى في المنطقة.

تأتي هذه المعركة في إطار سياق إقليمي – دوليّ أوسع يستهدف إسقاط الذراع الإيرانية الرابعة والأخيرة في المنطقة أي ميليشيات الحوثيّ، وذلك بعد تداعي وتفكيك الأذرع الإيرانية الأخرى في المشرق العربي، والمتمثلة في الانكسار الهيكلي لـ “الحزب” في لبنان، وتقويض القدرات العسكرية لحركة “حماس” في قطاع غزة، وصولاً إلى الانهيار الدراماتيكي ونهاية نظام بشار الأسد في سوريا إثر عملية “ردع العدوان” في أواخر عام 2024.

فضلاً عن ذلك، تأتي عملية “فجر اليمن” بالتزامن مع تحول حاسم في فاعلية أدوات الضغط الإيرانية على الاقتصاد العالمي. فبعد أن بدأت ورقة تهديد الملاحة عبر مضيق هرمز تفقد جدواها الجيو-اقتصادية إثر استعادة حركة ناقلات النفط لمعدلاتها الطبيعية والتكيف الدولي مع التهديدات، تحولت الأنظار باتجاه معركة استعادة السيطرة على باب المندب والزحف البري نحو العاصمة صنعاء، لتجريد طهران من آخر أوراق سيطرتها على أربعة عواصم عربيّة، وورقة الابتزاز البحري والضغط على الأسواق والسلاسل التجارية الدولية.

“ستالينغراد – تعز” تكسر الكماشة المائية

كشفت المعطيات العسكرية والعملياتية خلال الساعات والأيام الماضية عن نقلة نوعية في العقيدة القتالية للقوات الحكومية اليمنية؛ حيث تحولت مدينة تعز إلى “تعزغراد”، بما مثلته من صمود تاريخي بوجه سنين الحصار الحوثي، وانتقالها من مركز دفاعي ومحور استنزاف إلى منصة انطلاق لكسر القوة التوسعية للحوثيين. وهكذا حقق صمود أهل المدينة أمرين:

  • تقويض “استراتيجية الخنق المائي المزدوج”: تعتمد العقيدة البحرية والأمنية للحرس الثوري الإيراني على مفهوم “التحكم المزدوج بمنافذ الطاقة”. وهي استراتيجية ترمي إلى بناء “كماشة مائية” تُطبق على حركة الملاحة والتجارة العالمية من خلال السيطرة المباشرة على مضيق هرمز والتحكم غير المباشر بباب المندب عبر الجماعة الحوثية.

يكسرُ نجاح عملية “فجر اليمن” في تحرير مديرية ذوباب والشريط الساحلي والمواقع الحاكمة المطلة على الممر الملاحي الضلع الجنوبي لهذه الكماشة رسمياً، ويعزل الحركة الحوثية عن التأثير المباشر في حركة التجارة الدولية وقناة السويس، مما يجرد طهران من القدرة على مساومة الغرب والمجتمع الدولي بأوراق الأمن المائي.

  • التفوق الناري والتطور في سلاح المسيرات: أظهرت المشاهد الجوية والبيانات الميدانية في الجولة الأخيرة من المعارك دخول سلاح مسيرات جديد ومتطور إلى القوات الحكومية المسنودة بشركائها، ما أحدث فارقاً ملحوظاً في القوة النارية، والدقة الاستهدافية، والتنسيق الاستطلاعي. وقد شلّ هذا التطور التكنولوجي مع الغارات التي تشنّها قوّات التحالف العربيّ لدعم الشّرعيّة قدرة الحوثيين على المناورة، ودمّر المنصات المتقدمة لإطلاق الصواريخ البحرية والمسيرات الانقضاضية، ما أدى إلى تحييد مراكز القيادة والسيطرة الحوثية في مجمع النهدين ودار الرئاسة في العاصمة صنعاء.

كما تتيح هذه السيطرة الجوية والتفوق الناري ربط جبهات تعز وباب المندب ببعضها، وفرض طوق عسكري متماسك يُعبد الطريق عملياتياً ونوعياً نحو الشروع في معركة طوق صنعاء وإسقاط الانقلاب من الداخل، في إعادة لسيناريو الإطباق بـ”مسيّرات شاهين” الذي نفّذتهُ فصائل المعارضة السّوريّة لإسقاط نظام بشّار الأسد في عمليّة “ردع العدوان” 2024.

القراءة الأمنية والدفاعية

في إطار تفكيك الأبعاد العسكرية والأمنية لعملية “فجر اليمن”، يطرح المحلل الأمني والدفاعي رياض قهوجي عبر “أساس” رؤية مفصلية مفادها أن استعادة القوات الحكومية اليمنية المدعومة من التحالف العربي للسيطرة على ذوباب والمخا والتقدم نحو الحديدة وطوق صنعاء، تُشكل إنجازاً استراتيجياً كبيراً يُجرد طهران رسمياً من إحدى أهم أوراق نفوذها الإقليمي:

1 ـ  تفنيد الادعاءات الإيرانية وتعرية ورقة باب المندب: يستشهد قهوجي بتصريحات قائد “فيلق القدس” إسماعيل قآآني التي أعلن فيها سابقاً تباهي إيران بالسيطرة على مضيق باب المندب إلى جانب مضيق هرمز. حيث يكشف التحليل الأمنيّ عن مسعى طهران المباشر لاستغلال هذه الممرات المائية الحاكمة كأوراق ضغط وتفاوض جيوسياسي ضد الولايات المتحدة ودول المنطقة. وبالتالي فإنّ استعادة باب المندب تسقط هذه الورقة التفاوضية وتنهي منطق الابتزاز البحري الإيراني.

يتبع غداً

ابراهيم ريحان

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.