من اليرزة إلى الدولة: الرسالة السعودية المتجددة إلى لبنان /1

2

بقلم د. ابراهيم العرب

ليست كل المناسبات الوطنية مجرد مواعيد ثابتة على روزنامة الدول، ولا كل حفلات الاستقبال الدبلوماسية مجرّد تقليد بروتوكولي تتبادل فيه العواصم التهاني والمجاملات. بعض المناسبات تفتح، من حيث لا يبدو للوهلة الأولى، نافذة على السياسة، وتكشف في تفاصيلها شيئاً من طبيعة العلاقات بين الدول، ومن الرسائل التي تريد عاصمة أن توصلها إلى أخرى.

ومن هذا المنظور، اكتسب حفل الاستقبال الذي أقامه سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، فهد بن عبد الرحمن الدوسري، في دارته في اليرزة، لمناسبة اليوم الوطني السعودي، دلالة تتجاوز الاحتفال بالمناسبة الوطنية. فقد جمع اللقاء شخصيات رسمية وسياسية ودبلوماسية وروحية وعسكرية وأمنية، في مشهد بدا فيه لبنان بمؤسساته ومرجعياته حاضراً إلى جانب المملكة، في تأكيد رمزي على أن العلاقة بين الرياض وبيروت ليست علاقة ظرفية تحكمها تبدلات السياسة اليومية، وإنما علاقة ذات جذور تاريخية ومصالح متبادلة وذاكرة مشتركة.

وفي خلفية هذا المشهد، حضرت مسألة لبنان الدولة. وهي المسألة التي لا يمكن أن تغيب عن أي قراءة جادة للموقف السعودي من لبنان، خصوصاً في مرحلة تتقاطع فيها الأزمات الداخلية مع تحديات السيادة والاستقرار والاقتصاد وعلاقة لبنان بمحيطه العربي والدولي.

لقد جاءت كلمة السفير الدوسري بلغة دبلوماسية هادئة، لكنها حملت مضامين واضحة. فحين تتحدث المملكة عن لبنان، فإنها تتحدث عن دولة ومؤسسات ودستور وسيادة واستقرار، لا عن ساحة تتنازعها القوى والمحاور. وهذه النقطة بالذات تستحق التوقف عندها، لأن مستقبل العلاقات اللبنانية ـ السعودية لا ينفصل عن طبيعة الدولة اللبنانية نفسها وقدرتها على ممارسة وظائفها الدستورية والسيادية.

السعودية… مسيرة دولة ورسالة بناء

كان استحضار السفير الدوسري لمسيرة المملكة العربية السعودية، منذ عهد المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، أكثر من استعادة لمحطات تاريخية في مناسبة وطنية. فالدول لا تُقاس فقط بما تحتفل به في حاضرها، وإنما بما استطاعت أن تبنيه عبر عقود من الاستقرار وتراكم المؤسسات وتحويل الرؤية السياسية إلى مشاريع تنموية متكاملة.

ومن هنا جاءت الإشارة إلى «رؤية السعودية 2030» بوصفها تعبيراً عن مرحلة جديدة من مسيرة المملكة، تقوم على تطوير الاقتصاد، وتنويع مصادره، وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها، والانفتاح على العالم، مع الحفاظ على خصوصية الهوية الوطنية.

ولعل في التجربة السعودية، بصرف النظر عن اختلاف التجارب بين الدول، درساً عاماً يمكن التوقف عنده: لا يمكن لأي مشروع وطني أن يحقق أهدافه من دون استقرار مؤسساتي، ورؤية واضحة، وإدارة قادرة على تحويل الطموحات إلى سياسات قابلة للتنفيذ.

وهذه الفكرة تكتسب أهمية خاصة عندما ننظر إلى الواقع اللبناني، حيث تبدو الحاجة ملحّة إلى استعادة الثقة بالمؤسسات وإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وبين الدولة ومحيطها العربي والدولي.

الطائف… حين يصبح التاريخ جزءاً من الحاضر

حين تُستعاد العلاقة السعودية ـ اللبنانية، لا يمكن تجاوز اتفاق الطائف الذي شكّل محطة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث. فقد احتضنت المملكة في مدينة الطائف عام 1989 مساراً للحوار اللبناني أفضى إلى وثيقة الوفاق الوطني، التي أصبحت لاحقاً الإطار الدستوري والسياسي لإنهاء الحرب الأهلية وإعادة بناء النظام الدستوري على قاعدة التوازن والشراكة.

ولذلك، فإن الطائف ليس مجرد محطة تاريخية تُستعاد في الخطب والمناسبات. إنه جزء من البنية الدستورية والسياسية التي قام عليها لبنان بعد الحرب، ومفهومه الأعمق يتصل بفكرة أساسية: لا يمكن إدارة التعدد اللبناني بمنطق الغالب والمغلوب، ولا حماية الشراكة الوطنية خارج المؤسسات الدستورية.

ومن هنا، فإن أي مقاربة لمستقبل لبنان ينبغي أن تتعامل مع اتفاق الطائف باعتباره إطاراً للوفاق الوطني، لا مادةً للاستخدام السياسي الانتقائي. فالدستور لا يكون مرجعاً حين يناسب هذا الفريق أو ذاك، بل يصبح كذلك عندما يكون الاحتكام إليه سابقاً على مصالح القوى السياسية جميعاً.

منطق الدولة في مواجهة منطق الساحة

ربما كانت الرسالة الأوضح التي يمكن استخلاصها من المناسبة أن المملكة تنظر إلى لبنان من خلال دولته ومؤسساته الشرعية. وهذه ليست مسألة شكلية؛ إذ إن الفرق كبير بين دولة تتعدد فيها المؤسسات الدستورية وتتوزع فيها الصلاحيات وفق قواعد واضحة، وبين ساحة تتداخل فيها مراكز القرار والنفوذ إلى حد يصبح معه القرار الوطني عرضة للتجاذبات الداخلية والخارجية.

فالسيادة، في معناها الدستوري والسياسي، لا تتجزأ. والدولة التي تريد أن تكون صاحبة القرار في سياستها الخارجية، وفي أمنها ودفاعها، وفي إدارة حدودها وعلاقاتها الدولية، تحتاج حكماً إلى مرجعية واحدة للقرار السيادي.

ومن هنا تأتي مسألة حصرية السلاح والقرار الأمني والعسكري بيد الدولة. فالمبدأ لا ينبغي أن يُفهم بوصفه موجهاً إلى جماعة لبنانية دون أخرى، بل بوصفه قاعدة عامة من قواعد الدولة الحديثة، تتصل بالمساواة أمام القانون وبوحدة السلطة العامة وبحق الدولة الحصري في استخدام القوة المشروعة.

فالجيش اللبناني والقوى الأمنية الشرعية ليسوا مجرد مؤسسات أمنية بالمعنى التقني؛ إنهم أحد أبرز تجليات الدولة في حياة المواطن اليومية. وحين يشعر المواطن أن أمنه محمي بمؤسسة وطنية جامعة، وأن القانون هو المرجعية التي تنظم حياته وحقوقه وواجباته، تتعزز لديه فكرة الانتماء إلى الدولة نفسها.

دعم الجيش… دعم لفكرة الدولة

في هذا السياق، يكتسب دعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية أهمية تتجاوز المساعدات المادية أو اللوجستية. فالدعم الحقيقي لهذه المؤسسات هو دعم لفكرة الدولة، وللقدرة اللبنانية على حماية الحدود وصون الاستقرار وإنفاذ القانون.

والجيش، بحكم تركيبته ووظيفته الدستورية والوطنية، يفترض أن يبقى مؤسسة جامعة للبنانيين، فوق الاصطفافات السياسية والطائفية، وأن تكون علاقته بالمجتمع قائمة على الثقة المتبادلة.

وكلما تمكنت الدولة من تعزيز قدرات مؤسساتها الشرعية، ضاقت المساحة التي يمكن أن تنشأ فيها بدائل عن الدولة أو مراكز نفوذ تنازعها بعض وظائفها. ولذلك فإن بناء الدولة لا يبدأ من الخطابات الكبرى، وإنما من مؤسسات قادرة على القيام بواجباتها، ومن قانون يطبق على الجميع، ومن إدارة عامة تستعيد فعاليتها، ومن قضاء يحظى باستقلاله وثقة الناس به.

يتبع غدا

د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.