مهلة ترامب… دبلوماسيّة أم مناورة قبل الضّربة الكبرى؟

33

بقلم موفق حرب
«أساس ميديا»
حين يمدّد دونالد ترامب مهلة التفاوض مع إيران ويعلن في الوقت نفسه أنّ الحرب “حقّقت أهدافها”، لا يبدو الأمر خطوة دبلوماسيّة تقليديّة وحسب، بل أقرب إلى محاولة لضبط الإيقاع أو لكسب وقتٍ إضافيّ قبل قرار أكبر.
في تجارب ترامب، ليست المهل دائماً مساحة للحلّ، بل أحياناً جزء من تكتيك أوسع: تفاوض في العلن، وتحضير لخيارات أخرى في الكواليس. من هنا يبرز السؤال: هل نحن فعلاً أمام فرصة لإنهاء الحرب أم أمام مرحلة تمهيديّة لما بعدها؟
يوحي المشهد ظاهريّاً بانفراج: وساطات، رسائل، وحديث عن لقاءات محتملة. لكن لا شيء في العمق يوحي بأنّ الأرضيّة جاهزة لاتّفاق فعليّ. واشنطن ترفع سقفها، وطهران ترفض شروطاً تراها مفروضة وأشبه بإعلان استسلام. التفاوض قائم… لكن بشروط تمنع ترجمته إلى اتّفاق.
ما هي المهمّة في إيران؟
في الوقت نفسه، لا يتراجع منسوب الحشد العسكريّ. تقول الاستعدادات إنّ الخيار العسكريّ لم يُسحب عن الطاولة، بل أُعيد ترتيبه، والإشكاليّة لا تكمن في وجود التفاوض، بل في طبيعته. يتحدّث ترامب عن “تحقيق الأهداف”، لكنّه يمدّد المهلة. يعلن تقدّماً، لكنّه لا يحسم. وهذا التناقض ليس ضعفاً بالضرورة، بل أسلوب: رفع السقف سياسيّاً، وترك الباب مفتوحاً، إمّا لاتّفاق بشروطه، أو لتصعيد يُقال إنّه كان الخيار الأخير.
في خضمّ هذا النقاش، يصبح من المُرهق سماع الدعوات المتكرّرة إلى “إنهاء المهمّة” في إيران، من دون أيّ نقاش جدّيّ في ماهيّة هذه المهمّة، ولا كيف يمكن تحقيقها عسكريّاً.
هل المقصود تدمير البرنامج النوويّ بالكامل أم إسقاط النظام أم تفكيك الحرس الثوريّ وشبكاته الإقليميّة؟
إنّ كلّ هدف من هذه الأهداف يتطلّب مستوى مختلفاً من الحرب، كلفة مختلفة، وزمناً مختلفاً، وقد لا يكون قابلاً للتحقيق عبر الضربات الجوّيّة وحدها.
في غياب هذا التعريف، تتحوّل عبارة “إنهاء المهمّة” إلى شعار سياسيّ أكثر منها خطّةً قابلةً للتنفيذ. وهذا تحديداً ما يزيد من ضبابيّة اللحظة الحاليّة: حرب يُقال إنّها اقتربت من نهايتها… من دون اتّفاق على شكل هذه النهاية.
لكن حتّى هذا الخيار لم يعد بسيطاً لأنّ الحرب نفسها تغيّرت. لم تعد مواجهة يمكن ضبطها بين طرفين، بل شبكة نزاعات ممتدّة، لكلّ ساحة حساباتها، ولكلّ طرف إيقاعه.
من الخليج إلى البحر الأحمر، إلى لبنان، تتداخل الجبهات إلى حدّ أنّ القرار لم يعد مركزيّاً بالكامل، وهنا يتبدّد “وهم السيطرة” على مجريات المعركة.
لم يعد بالإمكان افتراض أنّ ضربة إضافيّة ستقود تلقائيّاً إلى تسوية، أو أنّ اتّفاقاً بين واشنطن وطهران كفيل بإطفاء كلّ الجبهات. حتّى فكرة أنّ التصعيد يمكن أن يبقى مضبوطاً لم تعد مضمونة.
في هذا السياق، تبدو مهلة ترامب أقلّ شبهاً بفرصة سلام، وأكثر شبهاً بمرحلة اختبار، اختبار لمدى استعداد إيران لتقديم شيء، واختبار لمدى قدرة الحرب على الاستمرار من دون كلفة أكبر. أمّا إعلان أنّ الحرب “حقّقت أهدافها” فليس خاتمة، بل جزء من التفاوض نفسه، محاولة لتثبيت رواية قبل تثبيت اتّفاق.
إذا لم تُفضِ هذه المهلة إلى اتّفاق، وهو احتمال كبير، فنحن أمام مسار مختلف تماماً: لا تسوية سياسيّة، ولا حسم عسكريّاً، بل حرب استنزاف مفتوحة.
إدارة الحرب بدل إنهائها؟
لا تُظهر إيران أيّ استعداد للاستسلام، بل تراهن على الصمود وإطالة أمد الحرب ورفع كلفتها. في المقابل، لا تبدو الولايات المتّحدة وإسرائيل مستعدّتين لإنهائها من دون نتيجة واضحة يمكن تسويقها: إمّا تفكيك فعليّ لقدرات إيران، أو تغيّر جوهريّ في سلوك النظام، أو، في الحدّ الأقصى، انهياره.
هكذا يتحوّل الهدف تدريجاً من “اتّفاق” إلى “إنهاك” قبل السقوط الحتميّ. ينسحب الأمر نفسه على “الحزب”. لم يعد المطلوب إضعافه فقط، بل إنهاؤه كقوّة فاعلة، لا تقليص دوره وحسب، لكنّ الواقع يظهر أنّ ذلك ليس مسألة ضربة واحدة، بل مسار طويل مرتبط بمآلات الحرب مع إيران نفسها.
في هذه الحالة، لا تنتهي الحرب… لكنّها أيضاً لا تُحسم، بل تدخل في مرحلة جمود: ضربات متقطّعة، ضغوط اقتصاديّة، تصعيد محسوب، وانتظار طويل لنتيجة قد لا تأتي سريعاً. هنا يعود “وهم السيطرة” على سير الحرب مرّة أخرى.
لا تستطيع الولايات المتّحدة الانسحاب بسهولة. لا تستطيع إيران الاستسلام. لا تستطيع إسرائيل إعلان نصر غير مكتمل. بين هذه الحدود، تتحوّل الحرب من مشروع لإنهائها إلى عمليّة لإدارتها.
لا يقتصر الوهم اليوم على أنّ الدبلوماسيّة قادرة على إنهاء الحرب، بل يتعدّى ذلك إلى أنّ أحداً ما يزال قادراً على التحكّم بكيفيّة انتهائها. أمّا السؤال الحقيقيّ فلم يعد: متى تنتهي الحرب؟ بل: هل تُستخدم المفاوضات لإنهائها أم لشراء الوقت قبل جولة أطول؟
موفق حرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.