نحو إعادة بناء دور الجمعية العامة لصناعة السلام العالمي / 1
بقلم د. ابراهيم العرب
في زمنٍ تتكاثر فيه الحروب، وتتسع فيه بؤر التوتر، وتتراجع فيه قدرة المجتمع الدولي على إنتاج تسويات سياسية قابلة للحياة، تعود الأمم المتحدة إلى واجهة المشهد الدولي لا باعتبارها مؤسسةً قائمةً منذ أكثر من ثمانية عقود فحسب، وإنما باعتبارها امتحاناً متجدداً لفكرة النظام الدولي ذاته: هل تستطيع الأسرة الدولية أن تمتلك آليات فعّالة تمنع الحرب قبل وقوعها، وتوقفها عندما تقع، وتفتح الطريق أمام السلام عندما يستعصي التفاوض؟
وتكتسب أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة أهمية خاصة في هذا السياق. فقد افتتحت الدورة رسمياً في 8 أيلول/سبتمبر 2026، فيما انعقدت المناقشة العامة رفيعة المستوى بين 22 و28 أيلول/سبتمبر، بمشاركة تقارب 130 من رؤساء الدول والحكومات والمسؤولين الكبار. وتحمل الدورة عنواناً بالغ الدلالة: «استعادة الثقة، وإدارة التحول: أمم متحدة في خدمة الجميع»، وهو عنوان يعكس، في جانب منه، الأزمة التي تواجه النظام المتعدد الأطراف نفسه.
ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس ما إذا كانت الأمم المتحدة لا تزال ضرورية، فذلك يكاد يكون من المسلّمات، وإنما ما إذا كانت أدواتها المؤسسية، كما صيغت في منتصف القرن العشرين، لا تزال كافية لمواجهة عالم تغيّرت فيه موازين القوة، وتشابكت فيه الأزمات، وأصبحت فيه الحروب أقل قابلية للحصر داخل الحدود الوطنية.
من هنا تبرز أهمية إعادة النظر في موقع الجمعية العامة داخل منظومة الأمم المتحدة، ليس بهدف إلغاء مجلس الأمن أو الحلول محله بصورة آلية، وإنما بهدف استعادة التوازن بين مؤسسات المنظمة، وتعزيز قدرة الجهاز الذي يمثل الدول الأعضاء جميعاً على أداء دوره في حفظ السلم والأمن الدوليين عندما يتعذر على مجلس الأمن القيام بمسؤوليته.
تتميز الجمعية العامة بخصوصية دستورية وسياسية لا تتوافر لغيرها من أجهزة الأمم المتحدة الرئيسية؛ فهي تضم الدول الأعضاء كافة، ولكل دولة فيها صوت واحد، بصرف النظر عن حجمها أو قوتها العسكرية أو الاقتصادية. وهذا المبدأ يمنح الجمعية العامة شرعية تمثيلية عالمية لا يستطيع مجلس الأمن، بصيغته الحالية، أن يضاهيها. وتؤكد الأمم المتحدة أن الجمعية العامة هي الجهاز الرئيسي لصنع السياسات فيها، وأن الدول الأعضاء الـ193 تتمتع بحق التصويت المتساوي داخلها.
وهذه المساواة ليست تفصيلاً إجرائياً عابراً؛ إنها تعبير عن فكرة جوهرية في القانون الدولي المعاصر، مفادها أن سيادة الدول لا تتفاوت من حيث الأصل القانوني لمجرد تفاوتها في القوة. وإذا كان النظام الدولي قد اضطر، لأسباب تاريخية مرتبطة بمرحلة تأسيس الأمم المتحدة، إلى منح الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن موقعاً استثنائياً، فإن استمرار هذا الامتياز لا ينبغي أن يؤدي إلى إضعاف الإرادة الجماعية للمجتمع الدولي بأسره. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الجهاز الأكثر تمثيلاً للدول هو في الوقت ذاته الجهاز الذي تظل قراراته، في معظم القضايا السياسية، ذات طبيعة توصوية لا إلزامية.
لقد منح ميثاق الأمم المتحدة الجمعية العامة صلاحيات واسعة في مجال النقاش والتداول ووضع المبادئ العامة والتوصية. فالمادة العاشرة تتيح لها بحث أي مسألة تدخل في نطاق الميثاق أو تتصل بصلاحيات أجهزة الأمم المتحدة، وإصدار التوصيات إلى الدول الأعضاء أو إلى مجلس الأمن أو إليهما معاً، مع مراعاة القيود التي يفرضها الميثاق، ولا سيما المادة الثانية عشرة. كما تجيز المادة الحادية عشرة للجمعية بحث المبادئ العامة للتعاون في المحافظة على السلم والأمن الدوليين، بما في ذلك مبادئ نزع السلاح وتنظيم التسلح.
غير أن البناء الميثاقي أقام تمييزاً واضحاً بين الجمعية العامة ومجلس الأمن في مجال اتخاذ التدابير المرتبطة بحفظ السلم والأمن الدوليين. فمجلس الأمن يتحمل المسؤولية الرئيسية في هذا المجال، الأمر الذي جعل قدرة الجمعية العامة على الانتقال من مرحلة النقاش إلى مرحلة الفعل المباشر محدودة في عدد من الحالات.
وهنا ينبغي التوقف عند جوهر الإشكالية. فالمشكلة ليست في وجود مجلس الأمن، ولا في ضرورة الحفاظ على دوره، بل في أن النظام الذي يفترض أن ينتج قراراً جماعياً قد يصل أحياناً إلى طريق مسدود بسبب عدم التوافق بين الأعضاء الدائمين، ولا سيما عندما يُستخدم حق النقض.
وعندما تصبح آلية القرار معطلة، لا يعود السؤال القانوني مجرد سؤال عن الصلاحيات، بل يتحول إلى سؤال يتعلق بفاعلية النظام الدولي برمته: ماذا يفعل المجتمع الدولي عندما تكون هناك أزمة تهدد السلم، بينما المؤسسة التي أُنيطت بها المسؤولية الرئيسية عن حفظه عاجزة عن اتخاذ قرار؟
«الاتحاد من أجل السلام»: آلية قائمة تنتظر تفعيلها، ففي هذا السياق تكتسب أهمية خاصة القرار 377 (د-5) «الاتحاد من أجل السلام» الذي اعتمدته الجمعية العامة في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 1950. فهذا القرار جاء أصلاً استجابة لإشكالية تعذر قيام مجلس الأمن بمسؤوليته بسبب غياب الإجماع بين أعضائه الدائمين. ونص على أن الجمعية العامة، في حالة وجود تهديد للسلم أو إخلال به أو وقوع عمل من أعمال العدوان، يمكن أن تنظر في المسألة بصورة عاجلة، وأن تقدم توصيات إلى الدول الأعضاء بشأن التدابير الجماعية الرامية إلى المحافظة على السلم والأمن الدوليين أو استعادتهما. كما أتاح، عند عدم انعقاد الجمعية، الدعوة إلى دورة استثنائية طارئة خلال أربع وعشرين ساعة في الحالات التي تتوافر فيها الشروط المحددة في القرار.
وقد أصبح هذا المسار جزءاً معروفاً من الممارسة المؤسسية للأمم المتحدة، ولم يعد مجرد نص تاريخي معزول. وتوضح الأمم المتحدة أن الجمعية العامة تستطيع، عندما يفشل مجلس الأمن في التحرك بسبب تصويت سلبي من عضو دائم، أن تنظر في المسألة فوراً في إطار «الاتحاد من أجل السلام» وأن تقدم توصيات بشأن التدابير الجماعية. وهنا تكمن قيمة هذا القرار بالنسبة إلى النقاش الراهن: فهو لا يهدم البناء الميثاقي، ولا يلغي مجلس الأمن، وإنما يتيح منفذاً مؤسسياً عندما يصطدم المجلس بحائط الانقسام.
يتبع غداً
د. ابراهيم العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.