هل تملك بيروت جرأة بغداد في مكافحة الفساد؟ – 2

7

بقلم د. ابراهيم العرب

وفي العراق، قادت التحقيقات المرتبطة بالقضية المنسوبة إلى وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية، عدنان الجميلي، إلى توسيع دائرة الملاحقات القضائية، وفتح ملفات طالت عدداً من المسؤولين، واتخاذ إجراءات لرفع الحصانة عن بعض النواب، في خطوة اعتبرها كثيرون من أوسع إجراءات مكافحة الفساد منذ عام 2003.

وفي المقابل، لا يزال التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، الذي أودى بحياة المئات وأصاب الآلاف، يواجه عراقيل قانونية وسياسية متكررة، فيما لا تزال مسألة الحصانات النيابية والوزارية تشكل إحدى أبرز العقبات أمام استكمال مسار العدالة. والفارق هنا ليس في وجود الفساد أو غيابه، بل في مدى قدرة السلطة القضائية على اختراق جدار الحصانات وتحويل مبدأ المحاسبة إلى ممارسة فعلية.

ومن ناحية أخرى، يثير اتساع التحقيقات في العراق نقاشاً سياسياً وقانونياً بشأن طبيعة هذه الحملة. فبينما يرى فريق أنها تعكس إرادة وطنية حقيقية لاستعادة هيبة الدولة، يعتقد آخرون أنها قد تتأثر أيضاً باعتبارات سياسية داخلية وخارجية، وهو ما يجعل الحفاظ على استقلال القضاء وحياده شرطاً أساسياً لنجاح أي مشروع إصلاحي، لأن العدالة التي يُنظر إليها على أنها انتقائية تفقد كثيراً من أثرها الرادع.

وليس بعيداً عن ذلك، شهد لبنان بدوره محاولات لتعديل بعض النصوص القانونية التي استُخدمت لتعطيل التحقيقات القضائية، ولا سيما في القضايا الكبرى، إلا أن معظم تلك المبادرات بقي عالقاً في اللجان النيابية، الأمر الذي يعكس حجم التعقيدات السياسية التي ما زالت تحول دون تطوير المنظومة القانونية بما يضمن سرعة العدالة وفاعليتها.

ومن زاوية أخرى، ترتبط مكافحة الفساد ارتباطاً وثيقاً بالاستقرار المالي والمصرفي. ففي العراق، اتسعت التحقيقات لتشمل شبكات غسل الأموال وتهريبها، وما يرتبط بها من تحويل الأموال غير المشروعة إلى استثمارات تبدو قانونية في ظاهرها. أما لبنان، فقد بدأ منذ سنوات بإقرار مجموعة من الإصلاحات التشريعية المتعلقة بالسرية المصرفية وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، استجابة لمتطلبات الإصلاح المالي والمعايير الدولية، إلا أن تنفيذ هذه الإصلاحات لا يزال يواجه بطئاً واضحاً، في ظل استمرار الخلافات حول توزيع الخسائر وآليات إعادة هيكلة القطاع المالي.

وهنا يكمن الفارق بين التجربتين؛ فالعراق انتقل، ولو بصورة جزئية، إلى مرحلة الملاحقة الجنائية واسترداد الأموال ومصادرة الموجودات المرتبطة بجرائم الفساد، في حين لا يزال لبنان يتحرك، في معظم الملفات، ضمن الإطار التشريعي والنقاشات السياسية، من دون أن ينعكس ذلك حتى الآن في محاسبة واسعة النطاق أو استرداد فعلي للأموال المنهوبة.

كما أن استقلال القضاء، على أهميته، لا يكفي وحده إذا بقيت المؤسسات الرقابية والإدارية والبرلمانية عاجزة عن أداء دورها الرقابي. فمكافحة الفساد عملية متكاملة تتطلب تعاون السلطات كافة، وإرادة سياسية حقيقية تترجم إلى تشريعات نافذة ومؤسسات قادرة على تطبيق القانون على الجميع من دون استثناء أو تمييز.

إن التجارب الدولية تؤكد أن مكافحة الفساد لا تُقاس بعدد الموقوفين أو بحجم الأموال المضبوطة فحسب، بل بقدرة الدولة على بناء منظومة قانونية وإدارية تحول دون تكرار الجريمة، وتسد الثغرات التي يستغلها الفاسدون. فالإصلاح الحقيقي لا يتحقق بحملات ظرفية، وإنما بإرادة سياسية ثابتة، وقضاء مستقل، ومؤسسات رقابية فاعلة، وإدارة عامة تقوم على الكفاءة والشفافية والمساءلة.

ومن هذا المنطلق، تبدو التجربة العراقية، على الرغم من كل ما يحيط بها من تحديات وتساؤلات، اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة المحاسبة. أما لبنان، فما زال يواجه معضلة الانتقال من سنّ القوانين وإطلاق الوعود الإصلاحية إلى تنفيذها عملياً، وهو ما يفسر استمرار تعثر ملفات أساسية، سواء في الإصلاح المالي والمصرفي، أو في ملاحقة قضايا الفساد الكبرى، أو في استكمال التحقيقات التي ينتظرها اللبنانيون منذ سنوات.

ولا يختلف اثنان على أن الإصلاح ليس مطلباً دولياً فحسب، بل ضرورة وطنية لحماية الدولة واستعادة ثقة المواطنين. فالدولة التي تعجز عن محاسبة الفاسدين تفقد تدريجياً قدرتها على فرض القانون، وتضعف ثقة المجتمع بمؤسساتها، وتتراجع فرصها في جذب الاستثمارات وتحقيق التنمية المستدامة.

وعليه، فإن العراق يقف اليوم أمام فرصة مهمة لترسيخ ما بدأه وتحويل حملة مكافحة الفساد إلى مشروع وطني متكامل يعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس النزاهة والشفافية وسيادة القانون. ويبقى السؤال الذي يفرضه المشهد العراقي على اللبنانيين: هل تملك الدولة اللبنانية الإرادة السياسية والقضائية الكفيلة بالانتقال من مرحلة الشعارات إلى مرحلة المحاسبة الفعلية؟

فبينما شهد العراق ملاحقات قضائية وإجراءات قانونية طالت مسؤولين واتُّخذت فيها خطوات لرفع الحصانة عن عدد من النواب، لا يزال لبنان يواجه صعوبة في إنجاز إصلاحات تشريعية وقضائية أساسية، وفي إزالة العوائق التي تحول دون الوصول إلى محاسبة شاملة في عدد من الملفات الكبرى.

ولعل الفارق الجوهري بين التجربتين لا يكمن في حجم الفساد، فهذه الآفة موجودة بدرجات متفاوتة في كثير من الدول، وإنما في قدرة الدولة على اتخاذ القرار السياسي والقانوني الذي يجعل من سيادة القانون واقعاً عملياً لا مجرد شعار، ويؤكد أن لا أحد، مهما علا موقعه أو نفوذه، يقف فوق سلطة العدالة.

وعندما تبلغ الدولة هذه المرحلة، تتحول مكافحة الفساد من رد فعل مؤقت إلى ثقافة مؤسساتية راسخة، ويصبح القانون المرجعية العليا للجميع، فتستعيد الدولة هيبتها، ويستعيد المواطن ثقته بها، وتُفتح الطريق أمام نهضة اقتصادية وإدارية حقيقية، قوامها النزاهة، والشفافية، والمساءلة، والعدالة.

د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.