هل تنجح “شبكة باكستان” الإسلاميّة في لجم الحرب؟

24

بقلم أمين قمورية
«أساس ميديا»
أوصلت المعركة على مضيق هرمز والبنى التحتيّة للطاقة الحرب الدائرة بين إيران وحلفائها من جهة، والولايات المتّحدة وإسرائيل من جهة أخرى، إلى لحظة الذروة، بعدما تجاوزت تداعياتها المسرح الإقليميّ إلى المسرح العالميّ، حيث طاولت شرايين التجارة الدوليّة وأسواق الطاقة والاقتصاد. في خضمّ هذا التصعيد، لاح فجأة قرار خفض التوتّر والبحث عن خيارات عقلانيّة تفتح قنوات اتّصال، مع رسم خطوط حمر عالية السقف تحدّد حدود الاشتباك وتمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
برزت اتّصالات تقودها كلّ من باكستان ومصر وتركيا، بمشاركة المملكة المملكة السعوديّة، في محاولة لفتح كوّة في الجدار المغلق بين الإيرانيّين والأميركيّين، والمساعدة في إنزال الطرفين عن الأشجار العالية التي رفعوا شروطهم إليها. يعكس دخول الدول الإسلاميّة الأربع محاولة جدّية على خطّ البحث عن نافذة أمل توقف الحرب وتعيد المتقاتلين إلى طاولة الحوار.
أوراق القوّة والقدرات
لا يرتبط هذا الخيار بقدرة هذه الدول على نقل الرسائل فحسب، بل بموقعها داخل توازنات القوّة، وامتلاكها قنوات اتّصال مع أطراف متعارضة، علاوة على قدرتها على توفير مخارج سياسيّة تحفظ ماء الوجه وتتيح التراجع التدريجيّ من دون كلفة سياسيّة مرتفعة. في بيئة شرق أوسطيّة شديدة الاستقطاب، يصبح الوسيط الأكثر فاعليّة هو القادر على التحدّث إلى الجميع من دون أن يُنظر إليه بوصفه طرفاً في الصراع. من هنا يتوزّع الدور بين مصر والمملكة المملكة السعوديّة وتركيا وباكستان بما يضمن توازن الضغوط وتعدّد الضمانات.
تمتلك الدول الأربع أوراقاً فعليّة تؤهّلها للقيام بهذه المهمّة. مصر، بوصفها ممثّلة للثقل العربيّ التقليديّ، تحتفظ بعلاقات ممتدّة مع أطراف الحرب، وعلى رأسها الإدارة الأميركيّة، وما يرتبط بذلك من قنوات اتّصال قائمة مع تل أبيب وحكومة بنيامين نتنياهو، وإن شهدت هذه العلاقات في الفترة الأخيرة قدراً من التوتّر. في الوقت نفسه، تحافظ القاهرة على مستوى من العلاقات المقبولة مع طهران، وعلى هامش من الصدقيّة يجعلها أقلّ استفزازاً من بعض العواصم الخليجيّة، وأقلّ تصادماً أيديولوجيّاً من بعض القوى الغربيّة.
تملك مصر مصلحة مباشرة في إنجاح هذا المسار، في ظلّ ما تواجهه قناة السويس، أحد أهمّ شرايين الاقتصاد المصريّ، من ضغوط حادّة، إضافة إلى ما يمثّله تهديد أمن البحر الأحمر من تحدّيات اقتصاديّة وأمنيّة ولوجستيّة تضع الأمنين القوميّ والاقتصاديّ المصريَّين تحت ضغط متزايد.
تنبع أهميّة المملكة المملكة السعوديّة من كونها الطرف الإقليميّ الأكثر تأثّراً بنتائج هذا الصراع، والأكثر قدرة في الوقت نفسه على التأثير في مساراته. تقع المملكة عند تقاطع الجغرافيا الاستراتيجيّة للطاقة ومعادلات الأمن الخليجيّ، وتملك شبكة علاقات متينة مع واشنطن، إلى جانب موقعها المتقدّم في العالمَين العربيّ والإسلاميّ. ولأنّ أيّ صراع أميركيّ – إيرانيّ يهدّد مباشرة أمن إمدادات الطاقة، فإنّ ذلك يمنح الرياض وزناً استراتيجيّاً لدى الولايات المتّحدة وأوروبا والاقتصاد العالميّ، وأيّ تصعيد واسع قد يؤدّي إلى ارتفاع حادّ في الأسعار أو تعطّل الإمدادات، وهو ما يدفع القوى الكبرى إلى تفضيل دور سعوديّ يساهم في احتواء التوتّر وفتح قنوات تفاوض.
في الوقت نفسه، تبدو المملكة السعوديّة وهي قائدة التحوّل العربي من أكثر الدول إدراكاً لكلفة الحرب الشاملة، نظراً لتعرّضها المباشر لمخاطر التهديدات الإيرانيّة، وما قد يترتّب على أيّ مواجهة واسعة من تداعيات على استقرار الخليج ومشاريعه الاقتصاديّة الكبرى. لذلك تميل الرياض إلى مقاربة تقوم على احتواء إيران لا إسقاطها، وتقليص التوتّر بدلاً من تفجير مواجهة مفتوحة، وإدارة التنافس ضمن قواعد اشتباك منخفضة المخاطر. هذه المقاربة تجعل موقفها مقبول نسبياً، فيما تملك نفاذاً سياسيّاً وأمنيّاً داخل بنية القرار الأميركيّ، بما يمنحها القدرة على الدفع نحو مسارات تفاوضيّة بدلاً من خيارات عسكريّة.
أمّا تركيا فتستفيد من موقعها كقوّة إقليميّة تمتلك شبكة علاقات متشعّبة مع الشرق والغرب تسمح لها بتوسيع هامش حركتها بين المعسكرات المختلفة. هي عضو في حلف الناتو وترتبط بعلاقات مهمّة مع واشنطن، وفي الوقت نفسه تحتفظ بقنوات عمل مع طهران، علاوة على خبرة سياسيّة في إدارة التوازنات المعقّدة بين الخصوم. تمتلك القدرة على الجمع بين أدوات القوّة الصلبة والناعمة، وتطمح إلى تعزيز دورها كوسيط دوليّ في النزاعات الكبرى، مستفيدة من خبرتها في مسارات تفاوض متعدّدة. بذلك تمثّل تركيا نموذج الوسيط القادر على تعديل الإيقاع السياسيّ عندما تتعثّر القنوات التقليديّة.
أخيراً باكستان تشكّل إضافة نوعيّة إلى شبكة الوسطاء، نظراً لما تملكه من روابط جيوسياسيّة مع إيران، إلى جانب صلات قويّة مع دول الخليج، وعلاقات متنامية مع الولايات المتّحدة، بما يجعل إسلام آباد من أكثر العواصم قدرة على أداء دور قناة تواصل غير مباشرة، لا سيما مع ما تردّد عن احتمال احتضانها جولات تفاوض مقبلة. تكمن أهميّة الدور الباكستانيّ في قدرته على توفير مسار هادئ يسمح بتمرير الرسائل الحسّاسة واختبار الأفكار الأوّليّة بعيداً عن الضجيج السياسيّ. فضلاً عن مزاياها” النووية وجغرافيتها الحدودية بآسيا الوسطى والصين.
تعدّد الوسطاء: مزايا وخيارات تقليل المخاطر
يمنح تعدّد الوسطاء الأطراف المتنازعة جملة من المزايا، أبرزها تقليل مخاطر الفشل عبر توزيع قنوات الاتّصال، إتاحة اختبار المقترحات عبر أكثر من وسيط، وتفادي الإحراج السياسي في حال التراجع عن مواقف متشدّدة، إضافة إلى خلق توازن نفسيّ يمنع شعور أيّ طرف بالعزلة. يسمح هذا النموذج للقوى الكبرى بإدارة الأزمة من الخلف، مع الحفاظ على مسافة سياسيّة تقلّل كلفة الانخراط المباشر.
يعكس اختيار الدول الأربع توجّهاً نحو إدارة الصراع لا حسمه سريعاً، عبر شبكة وسطاء تتكامل أدوارهم، بحيث يصبح تعدّد القنوات جزءاً من آليّة خفض التوتّر. لا تزال الأزمة، مع خطورتها، قابلة للاحتواء، فيما تبدو كلفة الانفجار الشامل أعلى بكثير من كلفة التسويات المرحليّة.
قد يمنح نجاح الوساطة، إذا تحقّق، الدول الأربع نفوذاً إقليميّاً أوسع وحضوراً دوليّاً أكثر وزناً، بما يعيد تموضع القوى الإقليميّة بوصفها فاعلاً رئيساً في إدارة الأزمات الكبرى. في حرب بهذين الحجم والتعقيد، لم يعد كافياً أن يؤدّي الوسيط دور ناقل الرسائل، بل باتت مطلوبةً منه المساهمة في صياغة إطار سياسيّ يتيح خفض التصعيد وتوفير ضمانات متبادلة.
تحتاج الولايات المتّحدة إلى وسطاء يتمتّعون بوزن سياسيّ يسمح لهم بممارسة قدر من الضغط على طهران، فيما تبحث إيران عن طرف قادر على توفير ضمانات لوقف النار ومنع الالتفاف على أيّ مسار تفاوضيّ، ومنح أيّ تفاهم محتمل غطاءً إقليميّاً أوسع. من هنا، يتجاوز دور الوسطاء وظيفة “ساعي البريد” التقليديّة نحو دور أكثر تأثيراً في صياغة توازن جديد بين المصالح والمخاطر.
التّحدّيات الإيرانيّة والأميركيّة والإسرائيليّة
على الرغم ممّا يمتلكه الوسطاء من أدوات، تبدو مهمّتهم شديدة التعقيد. تشير طبيعة المقاربة الإيرانيّة إلى تمسّك واضح برفع سقف الشروط، استناداً إلى ما تعتبره طهران نجاحاً في منع الولايات المتّحدة وإسرائيل من تحقيق أهدافهما، ومواصلتها استخدام أوراق ضغط إضافيّة عبر حلفائها، بما عزّز ثقتها بصلابة موقفها.
من هنا تبدو مطالبها مرتفعة السقف، سواء لجهة الإنهاء الرسميّ للحرب، أو الحصول على ضمانات تحول دون تكرار الهجمات، أو المطالبة بتعويضات، علاوة على التشدّد في رفض أيّ مساس جوهريّ ببرنامجها الصاروخيّ، وهي شروط تتصادم بدرجة كبيرة مع المقاربة الأميركيّة، وخصوصاً في ظلّ تنامي نفوذ الحرس الثوريّ داخل بنية القرار في طهران. في المقابل، لا تزال واشنطن تتعامل مع فكرة التفاوض من موقع الساعي إلى فرض شروطه كاملة، وهي مقاربة قد لا تنسجم بالكامل مع تعقيدات الميدان وحسابات الكلفة الاستراتيجيّة. يبقى الموقف الإسرائيليّ عاملاً مؤثّراً في ضوء ما يمكن أن تلعبه حكومة بنيامين نتنياهو من دور في خلط الأوراق إذا ما رأت أنّ أيّ تسوية لا تحقّق أهدافها.
مع ذلك، يراهن بعض المراقبين على عامل الطاقة، أسعار الغاز، وأمن الملاحة في الممرّات البحريّة، بوصفها عناصر ضغط قد تدفع أطراف الصراع إلى إبداء قدر من المرونة. غير أنّ هذا الرهان يبقى مرتبطاً بسلوك كلّ من طهران وواشنطن في المرحلة المقبلة، في ظلّ الحشد العسكريّ الأميركيّ، وتمسّك كلّ طرف بمقارباته، واستمرار الشكوك في مدى استعداد إدارة دونالد ترامب للذهاب إلى تسوية فعليّة.
تقف المنطقة اليوم على حافة فوهة بركان. كلّ خطوة محسوبة، وكلّ تراجع مؤثّر. ليست الدول الأربع وسطاء وحسب، بل هي اللاعب الذي قد يمنع الانفجار ويعيد ترتيب المعادلات الإقليميّة لمصلحة إدارة الأزمات بدل انزلاقها نحو الفوضى. قد يحدّ نجاحهم في فتح قنوات تفاوض فعّالة من خطر المواجهة الشاملة، ويعيد تموضع القوى الإقليميّة بوصفها فاعلاً نشطاً في إدارة الأزمات الكبرى، لا مراقباً وحسب. في ظلّ هذا التعقيد، يبقى السؤال: هل تتمكّن شبكة الوسطاء من ترجمة الفرص إلى خطوات واقعيّة تُجنّب المنطقة الانفجار أم تظلّ الأزمة معلّقة بين الحسابات السياسيّة والمصالح الاقتصاديّة والأمنيّة، مهدِّدة بإشعال صراع أوسع يطال العالم بأسره؟
أمين قمورية

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.