73% من اللبنانيّين يريدون الهجرة من «جهنّم»

42

بقلم ملاك عقيل

«أساس ميديا»

على الرغم من كلّ المآسي التي تفرض سطوتها بقوّة على نمط عيش اللبناني إلى حدّ التكيّف مع واقع الاستغناء عن ربطة الخبز، تتصرّف الحكومة، بوصفها رأس السلطة التنفيذية، خارج أيّ مفهوم لحالة الطوارئ لمواكبة أخطر أزمة إنسانية واجتماعية وماليّة واقتصادية يعيشها لبنان في تاريخه الحديث.

إنّ التعامل مع أزمة إضراب القطاع العامّ هو نموذج لتلك العقليّة الحاكمة. تعطي الدولة حبّة «أسبيرين» لمريض سرطان يوجد أمل بشفائه، لكنّها تتغاضى عن حلّ المشكلة الأمّ، تماماً كما تتفرّج على الأفران المحظيّة وهي تسرق اللقمة من فم الفقير لتجني ملايين الدولارات وتصنع بالطحين المدعوم الحلويات المفلوشة على موائد الأثرياء، و»شرحه» بالنسبة إلى مافيات الموتورات والأدوية والتجّار. أمّا أداؤها على مستوى تأليف الحكومة فيستأهل «محاكمة شعبيّة».

قبل أيّام أعلنت الدكتورة ليلى داغر، الأستاذة المساعدة في علم الاقتصاد في الجامعة الأميركية في بيروت والباحثة والمُحاضرة في عدّة جامعات أميركية، صدور نتائج المسح الذي أُجري على 931 أسرة لبنانية.

كانت النتائج، كما تقول داغر، «كارثيّة، والإحصاءات مأساوية تعكس حصول ارتفاع صاروخي لمعدّلات الفقر، وتشير إلى وضع اجتماعي واقتصادي كارثيّ وشيك».

لبنان يغرق يغرق…

أبدعت سلطة الأمر الواقع في نزع سقف الحماية الاجتماعية بالكامل عن رؤوس اللبنانيين. ولولا الجهد الأمنيّ في إبقاء الأمور تحت السيطرة وتوفير مقوّمات الحدّ الأدنى من الحماية الأمنيّة «لكانت الناس أكلت بعضها».

عامٌ وشهرٌ هي المدّة الزمنية الفاصلة عن صدور التقرير الفصليّ للبنك الدولي بعنوان «لبنان يغرق» في أيار 2021. تحدّث التقرير عن اتجاه لبنان «بكلّ عزم» نحو تصنيفه ضمن أسوأ ثلاث أزمات شهدها العالم، مشيراً إلى أنّ «في مواجهة هذه التحدّيات الهائلة، يهدّد التقاعس المستمرّ في تنفيذ السياسات الإنقاذيّة الأوضاعَ الاجتماعية والاقتصادية المتردّية أصلاً والسلام الاجتماعي الهشّ، ولا تلوح في الأفق أيّ نقطة تحوّل واضحة».

في المقابل، أضاء التقرير على «وجود توافق سياسي على حماية نظام اقتصادي مفلس، أفاد أعداداً قليلة لفترة طويلة»، محمّلاً المسؤولية الأساسية لمصرف لبنان «لعدم الوضوح في سياساته النقدية، ولأنّه الصانع الحصري لهذه السياسات».

تلا هذه الإطلالة الدولية على الواقع اللبناني صدور تقرير للبنك الدولي بعنوان «الإنكار الكبير» في خريف 2021، أشار إلى أنّ الكساد المتعمَّد في لبنان (خصّص له البنك الدولي تقريراً عام 2020 أكّد أنّ معدّلات الفقر ستستمرّ في التفاقم لتغطي أكثر من نصف السكان) هو من «تدبير قيادات النخبة في البلاد التي تسيطر منذ وقت طويل على مقاليد الدولة وتستأثر بمنافعها الاقتصادية».

«التكيّف السلبيّ» للغالبية العظمى

على أرض الواقع، لم تكذّب السلطة تقارير البنك الدولي. إذ يتّجه لبنان برجلَيْه صوب جهنّم ليتربّع، ربّما، على «عرش» أسوأ الأزمات إطلاقاً المندرجة تحت عنوان فريد من نوعه: «حين تسرق السلطة شعبها».

انطلاقاً من هذا الواقع المُفجِع، عَرَضَ التقرير، الذي أعلنت عنه الجامعة الأميركية قبل أيام، للمسح الميداني الذي يمثّل جزءاً من المشروع الذي تقوده الجامعة الأميركية في بيروت بتمويل من «التأييد الوطني للديمقراطية»: «النهوض بالسياسة القائمة على الأدلّة في إدارة الأزمات».

يهدف التقرير إلى رصد تأثير الأزمة المتعدّدة الأبعاد التي يواجهها لبنان على قطاعات الصحّة، التعليم، الزراعة، البناء، التصنيع، المطاعم، والبيع بالتجزئة، مع تسجيل أرقام لها دلالاتها: 73% من اللبنانيين يرغبون بمغادرة «جهنّم» إلى بلد آخر «من أجل عيش أفضل»، نزوح 54% من القطاع الاستشفائي الخاصّ إلى العامّ، و28.57% لا يشترون أدويتهم بناء على الوصفات الطبية، ونحو 57% لا يزالون يتقاضون رواتب بالليرة اللبنانية تراوح بين مليون ونصف وخمسة ملايين…!

سوف يُتبَع التقرير الأوّليّ بتقرير نهائيّ مفصّل يتضمّن تحليلاً أكثر شمولية للبيانات (الكمّيّة والنوعيّة) من خلال مسوحات ميدانية ومقابلات، إضافة إلى بعض التوصيات.

كشف التقرير، الذي نفّذه عدد من خبراء الجامعة الأميركية بقيادة الباحثة ليلى داغر، عن نتائج بالغة الخطورة تبيّن «التكيّف السلبيّ» للغالبية العظمى من العائلات اللبنانية مع الأزمة الخانقة التي تهدّد بانفجار اجتماعي حتميّ إذا لم يتمّ إيجاد حلول فوريّة. أهمّيّة الدراسة أنّها تؤكّد المؤكّد لجهة «دفن اللبنانيين» وهم أحياء.

في مقابل الأرقام المخيفة التي تعكسها المنظمات الدولية ودراسات كبرى الجامعات لا ردّات فعل من جانب قوى السلطة القابضة على أرواح التعساء التي تمارس أوقح إنكار في تاريخ أزمات الشعوب.

عمليّاً، دقّ جرس الإنذار باكراً جدّاً، لكنّ الحكومات المتعاقبة تقصّدت إدارة أذنها الطرشاء متفرّغةً بالكامل لـ»شفط» مقدّرات الدولة وتكريس المحسوبيّات وإشباع أزلامها بالخدمات والمال، وإفهامهم أنّ الدولة تُدار من «قصورهم».

منذ 2001 دقّ الجرس

في 22 كانون الثاني 2001، أي بعد أكثر من عشر سنوات من اتفاق الطائف، كشف التقرير التقويميّ الصادر عن الأمم المتحدة تفشّي الفساد بشكل كبير في لبنان، مثبِّتاً بالأرقام والتواريخ «انتشار هذه الظاهرة في صفوف الطبقة السياسية، واستنزافها لموارد الحكومة الماليّة، وتأثيرها على الحدّ من النموّ الاقتصادي، وإحباط عزيمة الكفاءات، وتوسيع الهوّة بين الفقراء والأغنياء».

كشف التقرير أيضاً أنّ «الفساد شكّل هدراً بما قيمته مليار دولار»، مقدّماً حلولاً عمليّة ومدروسة لِما يمكن أن توفّره الدولة من أموال إذا تمّت مكافحة الفساد في قطاعات الصحّة والكهرباء والخلويّ والهاتف الثابت والإعلام والقضاء والجمارك والنفط والأملاك البحرية.

حتى إنّ مدير برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الفساد آنذاك بيتر لانفست أكّد تربُّع لبنان على رأس قائمة الدول التي يتفشّى فيها الفساد، مقترحاً «إعداد مدوّنة سلوك للوزراء والنواب والمسؤولين لتعزيز الثقة بين الدولة والشعب».

لكن «احذروا» ماذا؟ أثار تقرير الأمم المتحدة، الذي نفّذته يومذاك «الدوليّة للمعلومات»، استياء الطبقة السياسية التي «فخّتت» بأرقامه بكلّ وقاحة بسبب «تشويشه» على نشاطها «البركانيّ» في نهب الدولة والقضاء على مقدّراتها. هكذا تحوّل المليار هدراً إلى أكثر من 120 ملياراً ديناً عامّاً، وإلى أرقام خيالية على مستوى الهدر وأرقام التضخّم وانخفاض القدرة الشرائية، بالتزامن مع خزعبلات ماليّة، قادها حاكم مصرف لبنان بالتنسيق مع الحكومات إيّاها، ذوّبت أموال المودعين واستنزفت أكثر من 62 مليار دولار من الاحتياطي بين 2010 و2021.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.