إشكالية اقتراع المغتربين بين النص القانوني النافذ والمراسيم التطبيقية

12

المحامي أسامة العرب
إنّ إحدى أبرز الإشكاليات القانونية والسياسية في المشهد اللبناني، هي حق اقتراع اللبنانيين غير المقيمين (المغتربين) في الانتخابات النيابية، وتحديداً العقبات التي تحول دون تفعيل هذا الحق، والمتمثلة في غياب المراسيم التطبيقية والجدل حول المقاعد النيابية الستة المخصصة لهم؛ وذلك من خلال تحليل النصوص القانونية ذات الصلة، وتحديد المسؤوليات الدستورية، وتقديم رؤية منهجية للحلول الممكنة.
أولاً: الأساس القانوني لحق الاقتراع للمغتربين وضرورة المراسيم التطبيقية
إن حق اللبنانيين غير المقيمين في الاقتراع ليس مجرد مطلب سياسي، بل هو حق منصوص عليه صراحة في قانون انتخاب أعضاء مجلس النواب رقم 44/2017 وتعديلاته.
1. النص القانوني النافذ (المادة 113)تنص المادة 113 من القانون 44/2017 (المعدلة بموجب القانون النافذ حكماً رقم 8/2021) على حق اللبناني غير المقيم في ممارسة الاقتراع في مراكز انتخابية في السفارات أو القنصليات اللبنانية. كما تنص على أن:”تضع الوزارة [الداخلية] بالتعاون مع وزارة الخارجية والمغتربين قواعد تسجيل الناخبين غير المقيمين في السفارات أو القنصليات التي يختارونها مع المعلومات كافة المطلوبة…” وعلى الرغم من أن القانون قد فتح باب التسجيل للمغتربين في دورات سابقة، فإن عملية الاقتراع نفسها تتطلب آليات تنفيذية مفصلة.
2. الإشكالية القانونية: غياب المراسيم التطبيقيةيُعد القانون 44/2017 قانوناً إطارياً في هذا الشأن، حيث يضع المبدأ العام (حق الاقتراع في الخارج) ويترك تفاصيل التطبيق للجهة التنفيذية. هنا تبرز الحاجة الماسة إلى المراسيم التطبيقية، والتي يجب أن تحدد بدقة:
أ. كيفية الاقتراع: الإجراءات اللوجستية والفنية داخل السفارات والقنصليات.
ب. آلية فرز الأصوات: كيفية تجميع الأصوات وإرسالها إلى لبنان وفرزها.
ج. تطبيق الصوت التفضيلي: كيفية احتساب الصوت التفضيلي للمغتربين ضمن الدوائر الانتخابية في لبنان. وبالتالي، فإن غياب هذه المراسيم يحول دون تطبيق القانون، ويجعل النص القانوني النافذ معطلاً بحكم الواقع، وهو ما يشكل تقاعساً من قبل السلطة التنفيذية (الحكومة) عن القيام بواجبها الدستوري والقانوني في تفعيل القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية (مجلس النواب)
ثانياً: العقدة الحقيقية: الجدل حول المقاعد النيابية الستة
إن “العقدة الحقيقية تكمن في الخلاف على مسألة استحداث الـ ٦ مقاعد نيابية جديدة وما الباقي إلا على التفاصيل”. وهذا الجدل يرتكز على المواد 112 و 122 من قانون الانتخاب.
1. الوضع القانوني للمقاعد الستة
2. المادة 112 (في صيغتها الأصلية) خصصت ستة مقاعد لغير المقيمين، موزعة بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين (ماروني، أرثوذكسي، كاثوليكي، سني، شيعي، درزي)، وبالتساوي بين القارات الست.
3. المادة 122 (في صيغتها الأصلية) نصت على أن هذه المقاعد تُضاف إلى عدد أعضاء مجلس النواب ليصبح 134 عضواً في الدورة الانتخابية التي تلي الدورة الأولى التي ستجري وفق هذا القانون (أي انتخابات 2022)
4. التعليق الاستثنائي وتداعياته
بموجب القانون النافذ حكماً رقم 8/2021، تم تعليق العمل بالمادة 112 والفقرة الأولى من المادة 122 استثنائياً ولمرة واحدة لدورة انتخابات 2022 حصراً. وعليه، بما أن التعليق كان استثنائياً ومحدداً بدورة 2022، فإن الأصل القانوني هو أن تعود المادتان 112 و 122 إلى السريان في الدورات التي تليها (أي انتخابات 2026 وما بعدها). هذا يعني أن المقاعد الستة يجب أن تُستحدث في الانتخابات القادمة، ما لم يصدر قانون جديد يلغيها أو يعدلها. وإن الخلاف السياسي حول هذه المقاعد (هل تُضاف ليزيد عدد النواب إلى 134، أم تُقتطع من حصة المقيمين ليبقى العدد 128؟) هو ما يعيق إصدار المراسيم التطبيقية، لأن آلية الاقتراع والفرز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بوجود هذه المقاعد وتوزيعها.
ثالثاً: الآليات الدستورية لتجاوز التعطيل التشريعي والتنفيذ:
هنالك إمكانية للتدخل التشريعي من مجلس النواب أو تدخل الحكومة ورئيس الجمهورية؛
1. التدخل التشريعي من مجلس النوابيمكن لمجلس النواب أن يتصدى للمسألة عبر:
2. إصدار قانون جديد يلغي أو يعدل المواد 112 و 122، ويحسم الجدل حول المقاعد الستة.
3. إصدار قانون يتضمن ملحقاً لقانون الانتخاب يحل محل المراسيم التطبيقية، ليضع الآليات التنفيذية مباشرة في صلب القانون.
أما عن دور الحكومة ورئيس الجمهورية (المادة 58 من الدستور) في حال تقاعس مجلس النواب عن إصدار قانون جديد، فيمكن للحكومة أن تلجأ إلى الآلية الدستورية المنصوص عليها في المادة 58 من الدستور اللبناني، والتي تنص على:”كل مشروع قانون تقرر الحكومة كونه مستعجلاً بموافقة مجلس الوزراء مشيرة إلى ذلك في مرسوم الإحالة، يجب على المجلس أن يبتّه في خلال أربعين يوماً من طرحه عليه في الجلسة وإدراجه في جدول الأعمال بصفة الأولوية. وبعد انقضاء هذه المهلة، يمكن لرئيس الجمهورية أن يصدر مرسوماً يجعل بموجبه المشروع المذكور نافذاً بعد موافقة مجلس الوزراء.”
فهذه الآلية تمنح الحكومة (بموافقة رئيس الجمهورية) سلطة استثنائية لإصدار مشروع قانون معجل مكرر بمرسوم، في حال عدم بت مجلس النواب فيه خلال 40 يوماً. ويمكن للحكومة استخدام هذه الصلاحية لتقديم مشروع قانون يتضمن إما:
أ. تعديلاً لقانون الانتخاب يحسم مسألة المقاعد الستة.
ب. نصوصاً تفصيلية تحل محل المراسيم التطبيقية اللازمة لتفعيل المادة 113.
وهنا لا بد من الإشارة إلى تدخل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون (وهو افتراض سياسي) تهدف إلى تسليط الضوء على هذه الصلاحية الدستورية كـ «صمام أمان» لتفادي التعطيل، خاصة وأن عدم إجراء الانتخابات في موعدها يشكل خرقاً دستورياً.
وفي المحصلة، نستنتج أن المشكلة القائمة ليست في غياب النص القانوني الذي يمنح المغتربين حق الاقتراع، بل في التعطيل التنفيذي والتشريعي الناتج عن الخلاف السياسي حول المقاعد الستة. فالحل القانوني المقترح هو بإصدار المراسيم التطبيقية اللازمة لتحديد آليات الاقتراع والفرز؛ وبحسم جدل المقاعد الستة المادتان 112 و 122 (قانون 44/2017) من مجلس النواب (تشريع)بإصدار قانون جديد يحسم مصير المقاعد الستة (إلغاء، إضافة، أو اقتطاع). ذلك أن تفعيل حق المغتربين في الاقتراع يتطلب إرادة سياسية حاسمة، تبدأ بإصدار المراسيم التطبيقية للمادة 113، أو بإنهاء الجدل حول المقاعد الستة عبر تدخل تشريعي سريع، لضمان عدم حرمان شريحة واسعة من اللبنانيين من ممارسة حقهم الديمقراطي.
المحامي أسامة العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.