شروق وغروب – بقلم خليل الخوري – هل يكون هذا العهد آخر تجربة لِـ(الصيغة)؟
قد يبدو السؤال – العنوان، أعلاه، جريئاً، ولعل الكلامَ كبيرٌ في المطلق… وهذا صحيح بقدر أو بآخر، ولكن ما يُدار على الساحة اللبنانية هو أكبر، وأشد خطورة. فالصيغة التي توصل إليها الآباء المؤسسون يكاد ألّا يبقى شيء منها، إضافة الى أنها كانت قد تعرّضت لاهتزازات عديدة، منذ نشأتها في أربعينات القرن العشرين الماضي، ولكنها كانت تهتز ولا تقع، لأن حفنة من المؤسسين كانوا لا يزالون على قيد الحياة، وكانت لا تزال عزيزةً عليهم، يقدمونها على كل شيء، حتى مصالحهم الذاتية كانت تنطلق من الحرص على تلك الصيغة التي هي و «الميثاق الوطني» توأمان لا ينفصلان. وأذكر، ذات زمن قال لي رئيس حزب الكتائب المؤسس، على هامش حوار عقدته معه: إن أحب ما آمل أن يُقال بي، عندما أغادر هذه الدنيا، التوصيف الآتي: «آخر عشاق الصيغة». وبالفعل، تلك العبارة كانت عنوان مقالتي في رحيله. رحمه الله.
أما اليوم، فإن الصيغة تلفظ آخر أنفاسها، ليس فقط بسبب هذا الجيل الهجين من أهل السياسة وحسب، إنما كذلك لأن المبادئ التي أُقيم عليها صرح الصيغة لم يبقَ منها شيء فقد هدمتها سلسلة أحداث توالت على الساحة اللبنانية، يمكن تعداد البعض منها، وأبرزها: الوصاية السورية ضربت الصيغة في الصميم عندما نفت وسجنت وقصقصت أجنحة القيادات المسيحية، ولم يعترض المسلمون باستثناء قلة نادرة في طليعتها تمام بك سلام. وعندما طلب البطريرك صفير تأجيل الانتخابات في محافظة الجبل أسبوعاً واحداً حفظاً لماء الوجه، جابهوه بالرفض القاطع.
ومن أسوأ «الأسباب الموجبة» لضرب الصيغة التبعية الى الخارج، الى حدود الارتهان الكلّي، حتى الانبطاح الأعمى…
وللتذكير أنه في زمن الدستور الذي أعطى رئيس الجمهورية المسيحي صلاحيات شبه مطلقة، لم يكن الرؤساء المتعاقبون يستغلونها، وكانت شؤون البلاد والعباد تعالج بالحسنى بما لا يشكل تحدياً لأي طيف وطني.
أما منذ عقود وحتى اليوم، فإن ما يُدار على ساحة الوطن هو «اجتياح بلا حدود» في الشؤون الكبيرة والصغيرة، في المصيربة والعادية، في الأساسي والثانوي… وهذه حال لم تعد مقبولة بأي شكل من الأشكال وتحت أي حجة أو ذريعة. وهذا ما ستترتب عليه نتائج وقرارات كبرى.
وفي تقديرنا أن العهد الحالي برئاسة العماد جوزاف عون هو الفرصة الأخيرة لإنقاذ الصيغة وترميم ما تبقى منها. فإذا حيل دونه وتحقيق ذلك فعلى الصيغة السلام. ومن لا يعرف هذه الحقيقة أو ينكرها فهو جاهلٌ او متغابٍ.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.