“لم تبخلوا بالعطاء ولن نبخل بالوفاء”، وإليكم مفاتيح المدينة، قالها مسؤول محلي يخاطب ضيفًا زارهم بصفته إنسانا وعربيا فالتف حوله الناس من مختلف الديانات والمذاهب، ونثروا له الأرز والورد في الطرقات، وتغنوا بأمجاده على صهوات الجياد.
المكان: بنت جبيل التي ترتفع عن سطح البحر 770 مترا، والزمان: 31 تموز 2010، والضيف: أمير قطر يومها الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.
الأمير الذي رحل اليوم عن 74 عاما، حل حينها في جنوب لبنان لتتويج مهمتين أخذهما على عاتق العروبة: جمع اللبنانيين على كلمة سواء، وإعمار كل ما دمره الاحتلال الإسرائيلي في حرب تموز 2006.
في المهمة الأولى استضاف الفرقاء اللبنانيين في الدوحة في عام 2008، فأخذ منهم عهدا مكتوبا بألا يحتكموا إلى السلاح، وألا يعرقلوا عمل المؤسسات، وألا يبغي بعضهم على بعض، فأفضت وساطته إلى فض اعتصام المعارضة في بيروت، وانتخاب رئيس جديد للجمهورية، وتشكيل حكومة تقوم على خدمة الناس.
وفي الثانية، أنفق أزيد من 300 مليون دولار على البنى التحتية في الجنوب، حيث أعاد برنامج الإعمار القطري بناء كل ما دمرته إسرائيل: المنازل والمدارس ودور العبادة والأسواق والطرقات والمستشفيات.
كان أول زعيم عربي يزور جنوب لبنان، لتكون واحدة من سجله في النادرات، حيث كان القائد الوحيد الذي كسر الحصار على غزة، وانخرط في أزمة دارفور، ووقف مع ثورات الربيع العربي لدعم تطلعات الشعوب في الحرية والتغيير، ثم ختم مسيرته باستثناء آخر، فتخلى عن السلطة مع كل أركان حكمه، وأوكل قيادة قطر لجيل جديد من الشباب.
وقد كان الناس في لبنان سمعوا عن الأمير “أطيب الخبر”، وعندما التقوا به كبر حبهم له، فسلموه مفاتيح قراهم وبلداتهم، في خطوة ذات دلالتين: رجل منا، ومؤتمن على حقوقنا.
تسلم الأمير مفاتيح بلدات بنت جبيل وعيتا الشعب وعيناتا والخيام ودير ميماس، حيث أكمل برنامج الإعمار القطري تشييد 12 ألف وحدة سكنية ومئات المدارس والمرافق الخدمية والحكومية ودور العبادة. تقع هذه البلدات على بعد مسافة قريبة من خط النار، وفي العادة، يسهب قادة المنطقة في الحديث عن مراعاة ميزان القوة، فيحذرون جبهات المقاومة من قوة إسرائيل وتفوقها وقدرتها على البطش والقتل والتدمير.
لكن خريج ساندهيرست العسكرية لم يفعل ذلك، فقد أشاد جهارًا نهارًا بالمقاومة اللبنانية، وحيَّا من الميدان بطولات المجاهدين، وترحم على أرواح الشهداء.