«إن-كيو-تل».. صندوق استثماري تابع للمخابرات الأميركية يغزو العالم بأنشطته الاقتصادية لمواجهة الصين

نشرت صحيفة «ليزيكو» الاقتصادية الفرنسية تقريراً يوم 19 تشرين الأول الماضي تؤكد فيه أن شركة فرنسية ناشئة قد استفادت من دعم «إن-كيو-تل»، الصندوق الاستثماري التابع لوكالة الاستخبارات الأميركية الشهيرة. والشركة محل الحديث هي «بروفيسي»، وتصنِّع هذه الشركة شبكيات عيون مزودة بالذكاء الاصطناعي قادرة على «رصد أشياء لا تستطيع الكاميرات التقليدية رصدها»، كما ذكرت إن-كيو-تل في مدونة طويلة يوم 23 من أيلول الماضي.

هذه الشركة الباريسية الناشئة، التي تأسست عام 2014، والتي تعاونت مع عمالقة تكنولوجيا كبار مثل «هواوي» الصينية أو «سوني» اليابانية، ستصبح أول استثمار مُعلن عنه لصندوق «إن-كيو-تل» في فرنسا. وتقول الصحيفة الفرنسية إنه من المحتمل أن يكون الصندوق الاستثماري المخابراتي قد ضخ الأموال في شركة «بروفيسي» منذ سنوات عدة سابقة، لكن لم يتم الإعلان عن ذلك لا من قبل الشركة أو من قبل «إن-كيو-تل». لكن الصحيفة تعود وتعترف بأنه، وإلى اليوم، يرفض كلا الجانبين تأكيد هذا الاستثمار.

ولن تكون هذه هي المرة الأولى التي يستثمر فيها صندوق «إن-كيو-تل» أمواله بعيداً عن الأنظار. ففي عام 2016، اعترف كريس داربي، الرئيس التنفيذي لصندوق الاستثمار الأميركي، أن ما يقرب من مئة استثمار للصندوق لم يعلن عنه أبداً من مجموع أكثر من 310 استثمارات منذ عام 2001، وذلك حسبما ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال».

لكن ما يوليه صندوق الاستثمار في وكالة المخابرات المركزية من أهمية لصغار الشركات الفرنسية يدخل في إطار الإشهار الرسمي لأنشطته. في عام 2020، وكما ذكرت صحيفة «لوفيغارو»، فإنه كان على الجيش الفرنسي أن يبذل عظيم الجهود عبر صندوق الاستثمار الخاص به «ديف إينفست» (Definvest) لمنع «إن-كيو-تل» من المساهمة في رأس مال شركة «بريليجون» (Preligens) الفرنسية المتخصصة في تحليل بيانات تحديد المواقع الجغرافية لمصلحة الاستخبارات والدفاع وإنقاذها من بين أنيابه.

ولا تُعد فرنسا الدولة الأوروبية الوحيدة التي يضع صندوق الاستثمارات المخابراتي الأميركي عينه عليها. فمساهمات الصندوق في رأسمال الشركات الأوروبية بات يشمل شركاتٍ ناشئة في بريطانيا وأسبانيا وفنلندا وحتى ألمانيا.

وهكذا وضع الصندوق الأميركي بعضاً من أمواله في «آيسي» (Iceye) وهي شركة فنلندية متخصصة في بناء أقمار صناعية متناهية الصغر، وكذلك في «كاونتر كرافت» (CounterCraft) الأسبانية المتخصصة في الأمن السيبراني، وأيضاً «توبوسينس» (Toposens) الألمانية المتخصصة في صناعة أجهزة استشعار الصوت ثلاثية الأبعاد.

وإجمالاً، استحوذ الصندوق رسمياً على حصص في خمس عشرة شركة ناشئة أوروبية. وذلك من دون ذكر الاستثمارات المحتملة التي أبقى عليها سراً.

وهو توسع حديث العهد على أراضي القارة العجوز يعود تاريخه إلى عام 2018، وهي السنة التي افتتح فيها أول فرع لصندوق «إن-كيو-تل» في لندن. قبل ذلك التاريخ، ظلت أموال هذا الصندوق الاستثماري داخل حدود الولايات المتحدة.

تاريخياً، تم تأسيس صندوق «إن-كيو-تل» لدعم الاستفادة من الابتكارات المصممة في وادي السيليكون وتمويل الشركات الناشئة الأميركية في القطاعات التي اعتبرتها وكالة المخابرات المركزية حساسة لأمن الولايات المتحدة، حسب ما يقول جون ت.راينرت، رجل القانون الأميركي الذي قام بتأليف واحدة من الدراسات القليلة المكرسة لاستراتيجية الاستثمار في الصندوق والمنشورة في 2013.

في أواخر عقد التسعينات، واجهت وكالة المخابرات المركزية معضلة مزدوجة: فقد تم تخفيض ميزانيتها بشكل خطير منذ نهاية الحرب الباردة، وتحول وادي السيليكون إلى قبلة عالمية للابتكار، من دون أن تكون قادرة على الاستفادة منه. ومن هنا انبثقت فكرة إنشاء صندوق استثماري في عام 1999 على طراز تلك الصناديق التي أنشئت لدعم كل هذه الشركات الناشئة العصرية في ولاية كاليفورنيا. مع اختلاف واحد: لا يتعين على «إن-كيو-تل» أن تحقق أرباحاً، ويجب عليها العمل 100 بالمئة بالأموال العامة.

ولكسب ثقة رجال الأعمال الشباب، عينت وكالة المخابرات المركزية جيلمان لوي، مدير شركة لا علاقة له بالعمل المخابراتي، على رأس صندوق «إن-كيو-تل». وكان سلاحه الرئيسي في الدخول إلى السوق هو استيراد لعبة فيديو سوفياتية إلى الولايات المتحدة تسمى… تتريس.

وهكذا بات الصندوق سريعاً أداة واعدة في نظر السلطات الأميركية. واعتباراً من حزيران 2001، خلص تقرير صادر عن المنظمة المستقلة «مديرون من أجل الأمن القومي» (Business Executives For National Security) – وهو تجمع لقادة الأعمال المكلفين بالتفكير في قضايا الأمن القومي – إلى أن صندوق الاستثمار هذا «قد مكّن وكالة المخابرات المركزية من التعرف بسرعة على التقنيات الناشئة التي يمكن أن يكون لها تأثير على أنشطتها».

لكن هذا النجاح كان محط اختلاف لوجهات النظر. فقد اشتهرت «إن-كيو-تل» بين عامة الناس في الولايات المتحدة بأنها واحدة من أوائل المستثمرين في شركة «بلنتير» (Palantir)، إحدى عيون التجسس على قطاع شركات جمع المعلومات الكبيرة (Big Data) والشهيرة بتقديمها أدوات المراقبة الإلكترونية المستخدمة في إنفاذ القانون.

ودافع مراراً كريس داربي، الرئيس التنفيذي لصندوق «إن-كيو-تل» منذ عام 2006، عن عمل الصندوق وأنشطته بقوله إن تعاونه مع الشركات الناشئة قد أنقذ أرواحاً كثيرة. وأوضح في مقابلة أجرتها معه صحيفة «وول ستريت جورنال» في عام 2016، على سبيل المثال، كيف أن عمل شركة أميركية متخصصة في تحليل المخلفات الكيميائية الموجودة في السجاد وبدعم من «إن-كيو-تل» قد سمح للجيش بتجهيز نفسه بأجهزة قادرة على اكتشاف وجود مواد كيميائية خطرة في أفغانستان والعراق.

هذه المنشأة المالية لا تجعل وكالة المخابرات المركزية تستفيد فقط من المكاسب التكنولوجية في وادي السيليكون، فهي تحاول أيضاً خلق عمالقة أعمال في المجالات الاستراتيجية من وجهة نظر وكالة المخابرات وذلك عبر ميزانية تزيد قليلًا عن 100 مليون دولار في السنة.

وبهذه الطريقة شرع الصندوق في استثماراته الأولى لدعم العمل في مجال الأقمار الصناعية، حسب ما يؤكد رجل القانون المحامي جون راينرت في دراسته عن «إن-كيو-تل». ثم تحول بعد ذلك إلى مجالات تحليل البيانات وتخزينها إضافة إلى الذكاء الاصطناعي.

بينما أعلن كريس داربي في عام 2020 أمام الكونغرس أن أهم الرهانات الحالية التي يعمل عليها الصندوق «هي الحوسبة الكمية، والبنية التحتية لاتصالات شبكة الجيل الخامس (5G)، والمعالجات الدقيقة ولا سيما التكنولوجيا الحيوية».

وهي الأولويات ذاتها التي يوليها الصينيون اهتماماً كبيراً وهذا ليس من قبيل الصدفة. فقد قال داربي: «إن المنافسة بين القوى العظمى حول توسيع نفوذها في العالم تدور حول قدرتها على الهيمنة التكنولوجية».

ومن هنا نشأت الفكرة باستخدام «إن-كيو-تل» للبدء في الاستثمار أيضاً خارج حدود الولايات المتحدة، وهي الجبهة التي بات للصين فيها شأو بعيد بالفعل بعد عمليات الاستحواذ الكثيرة التي قامت بها خارج أراضيها للشركات الناشئة. وهكذا جاء القرار بافتتاح أول شركة تابعة لصندوق الاستثمار في لندن في 2018، تماماً في اللحظة التي أعلن فيها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب حربه التجارية ضد بكين. بعد عام من ذلك، تم افتتاح فرع آخر في أستراليا، وهي دولة تقع في قلب الصراع من أجل النفوذ بين الولايات المتحدة والصين في المحيط الهادئ.

وتقول صحيفة «ليزيكو»: «هذه الاستراتيجية هي وسيلة لمواجهة «التهديد» الصيني في مجال التقنيات الدقيقة». هدف «إن-كيو-تل» ومهمتها المتمثلة بالاستثمار هي إذن اقتراح بديل أميركي على الشركات الناشئة الأوروبية أو الأسترالية، وذلك لمواجهة المكاسب الصينية.

وما الاستثمار في شركة «بروفيسي» الفرنسية إلا خير مثال على ما يدور من معارك في هذا القطاع. في الواقع، الصينيون مهتمون أيضاً بهذه الشركة: فقد دخل صندوق الاستثمار الصيني «سينوفيشن» (Sinovation) والشركة المصنعة للهواتف الذكية الصينية «جياومي» (Xiaomi) بحصة في رأس مالها في تموز 2021…

التعليقات (0)
إضافة تعليق