بقلم د. ابراهيم العرب
يمثّل اتفاق الإطار الذي وُقّع بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأميركية محطة سياسية وقانونية دقيقة تتجاوز كونها مجرد ترتيبات لوقف إطلاق النار، كما تتجاوز في الوقت نفسه وصفها بهدنة بالمعنى التقليدي. فهي تأتي في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تختلط الاعتبارات العسكرية بالحسابات السياسية، وتتحول إدارة النزاع إلى محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك بين دولتين ما زالتا في حالة عداء رسمي.
ولفهم طبيعة هذا الاتفاق، لا بد من مقاربته بعيداً عن الشعارات السياسية، عبر تفكيك مضمونه القانوني والسياسي: هل هو اتفاق أمني محدود؟ أم هدنة طويلة الأمد؟ أم خطوة تمهّد لاحقاً لسلام مؤجل؟ والجواب يكمن في طبيعة الالتزامات التي فرضها، وفي حدود ما تعهّد به الطرفان.
أولاً: الطبيعة القانونية للاتفاق: ليس اتفاق سلام ولا معاهدة تطبيع
من الناحية القانونية، لا يمكن تصنيف اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل كـ”معاهدة سلام” بالمعنى القانوني، إذ إن معاهدات السلام عادةً تنهي حالة الحرب رسمياً، وتُقرّ اعترافاً متبادلاً بالدولتين، وتضع إطاراً شاملاً للعلاقات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية بينهما.
أما هذا الاتفاق، وفق مضمونه، فهو أقرب إلى اتفاق أمني ـ سياسي مرحلي، هدفه الأساسي إدارة الصراع وإنهاء العمليات العسكرية، وليس إنهاء النزاع التاريخي بصورة نهائية. فهو لا يتضمن إقامة علاقات دبلوماسية، ولا تبادلاً للاعتراف السياسي، ولا ترتيبات تطبيع شاملة، بل يركّز على مسائل أمنية وعسكرية محددة؛ لا سيما أن السفيرة اللبنانية ندى معوّض لم تسلّم بعد التوقيع على السفير الإسرائيلي يحيئيل لايتر. ولو أن استخدام عبارات مثل “سلام وأمن دائمين”، و”إنهاء الصراع”، و”إقامة علاقات حسن جوار”، يكشف عن طموح سياسي لدى البعض يتجاوز الهدنة التقليدية، لكنه يبقى طموحاً للمستقبل أكثر منه واقعاً قانونياً قائماً.
ثانياً: هل هو هدنة طويلة الأمد؟
يمكن وصف الاتفاق بأنه أقرب إلى هدنة طويلة الأمد ذات مضمون أمني موسّع. فالهدنة عادةً تعني وقف الأعمال العدائية دون إنهاء جذور النزاع، وهذا ينطبق إلى حد كبير على الحالة اللبنانية ـ الإسرائيلية. فالوثيقة لا تلغي الخلافات السياسية القائمة، ولا تعالج كل الملفات العالقة، بل تنشئ آلية لمنع عودة المواجهة عبر ترتيبات أمنية، أبرزها:
– تعزيز دور الجيش اللبناني وبسط سيطرة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.
– منع وجود أو نشاط عسكري لجماعات مسلحة خارج إطار الدولة.
– انسحاب إسرائيلي تدريجي مرتبط بتنفيذ التزامات أمنية محددة.
– إنشاء آلية تنسيق عسكري بمشاركة الولايات المتحدة لمراقبة التنفيذ.
بمعنى آخر، الاتفاق لا يقول إن الحرب انتهت نهائياً، بل يقول إن العودة إلى الحرب تصبح مرتبطة بمدى نجاح ترتيبات أمنية جديدة.
ثالثاً: البعد الأمني… إعادة تعريف دور الدولة اللبنانية
المحور الأكثر أهمية في الاتفاق هو انتقال ملف الأمن من منطق “توازن الردع بين إسرائيل وحزب الله” إلى منطق “احتكار الدولة اللبنانية للسلاح”. فالاتفاق لا يسمّي حزب الله مباشرة، لكنه يستخدم عبارة “الجماعات المسلحة غير الحكومية”، وهي صياغة دبلوماسية تهدف إلى معالجة القضية دون الاصطدام المباشر بالحساسيات السياسية اللبنانية. ومن الناحية السياسية، يشكّل هذا البند جوهر الاتفاق، لأنه يضع على عاتق الدولة اللبنانية مسؤولية منع أي طرف من استخدام القوة خارج قرارها الرسمي. وهذا يعني محاولة إعادة تثبيت مفهوم الدولة كمرجعية وحيدة للأمن، وهو مطلب لطالما شكّل نقطة خلاف أساسية داخل لبنان وخارجه.
لكن تطبيق هذا البند لا يعتمد على النص فقط، بل على قدرة الدولة اللبنانية ومؤسساتها على فرض سلطتها، وعلى التوازنات الداخلية والإقليمية التي لطالما جعلت ملف السلاح خارج الدولة قضية شديدة التعقيد.
رابعاً: الانسحاب الإسرائيلي وضمانات عدم العودة إلى الحرب
يقدم الاتفاق الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية باعتباره نتيجة مباشرة لتقدم الجيش اللبناني في الانتشار، وبعد التحقق من إزالة التهديدات الأمنية. وهنا تظهر طبيعة الاتفاق كترتيب أمني أكثر منه اتفاقاً سياسياً؛ فالانسحاب ليس مطروحاً كالتزام منفصل ونهائي، بل مرتبط بشروط تنفيذية وأمنية.
في المقابل، تؤكد إسرائيل عدم وجود أطماع إقليمية في لبنان، وتربط عملياتها العسكرية بما تعتبره تهديدات صادرة عن جماعات مسلحة. وهذا البند يحمل أهمية سياسية، لكنه يبقى إعلاناً سياسياً لا يكفي وحده لإنهاء كل أسباب التوتر، خصوصاً في ظل استمرار ملفات خلافية مثل الحدود والنقاط المتنازع عليها والأسرى والمسيّرات والأراضي المحتلة والمدمّرة كلياً.
خامساً: إعادة الإعمار… الجانب الاقتصادي كأداة استقرار
لا يقتصر الاتفاق على الجانب العسكري، بل يربط الاستقرار الأمني بمسار إعادة الإعمار والدعم الدولي. فالولايات المتحدة تتعهد بحشد دعم دولي لمساعدة لبنان في إعادة بناء البنية التحتية وإنعاش الاقتصاد، مقابل التزام لبناني بمنع وصول أموال الإعمار إلى جهات مسلحة خارج مؤسسات الدولة. وهنا يظهر البعد الاقتصادي كجزء من هندسة سياسية أوسع: تحويل الاستقرار الأمني إلى فرصة لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وربط المساعدات الدولية بإعادة تنظيم المشهد الأمني والسياسي.
التقييم النهائي: اتفاق أمني بغطاء سياسي يمهّد لمرحلة جديدة
بعد دراسة مضمون الاتفاق، يمكن القول إن الوصف القانوني والسياسي الأدق له هو: اتفاق إطار أمني ـ سياسي طويل الأمد، يحمل خصائص هدنة موسعة، ولا يرقى بعد إلى مستوى معاهدة سلام أو تطبيع، لأن الصراع لم يُغلق بكل ملفاته، ولكنه ليس مجرد وقف إطلاق نار، لأنه يضع ترتيبات سياسية وأمنية تتعلق بمستقبل الجنوب اللبناني ودور الدولة والسلاح. وبالتالي، فإنه محاولة لنقل العلاقة بين لبنان وإسرائيل من حالة الحرب المفتوحة إلى حالة إدارة النزاع المنضبط. لكن نجاحه لا تحدّده النصوص وحدها، بل قدرة الأطراف على تحويل البنود إلى واقع: كقدرة لبنان على استعادة فعالية دولته، وقدرة المجتمع الدولي على دعم الاستقرار، ومدى استعداد إسرائيل للالتزام بمنطق الحدود والسيادة والانسحاب وإطلاق الأسرى ووقف الانتهاكات الجوية والبريّة.
في الختام، يمثّل اتفاق الإطار لحظة مفصلية في تاريخ الصراع اللبناني ـ الإسرائيلي، لكنه لا يشكّل نهايته. فهو أقرب إلى “تسوية أمنية مؤقتة ذات أفق سياسي” منه إلى سلام أو تطبيع. وقد يكون بداية لمسار جديد إذا نجحت الدولة اللبنانية في استعادة دورها، أو قد يتحول إلى مجرد هدنة أخرى تضاف إلى سلسلة طويلة من الاتفاقات التي أوقفت الحروب دون أن تنهي أسبابها.
فالاختبار الحقيقي لهذا الاتفاق لن يكون في الكلمات التي صيغت في واشنطن، بل في الواقع الذي سيُبنى على الأرض في لبنان: هل يتحول من وثيقة لوقف إطلاق النار إلى مدخل لبناء دولة قادرة على حماية سيادتها؟ أم يبقى مجرد فصل جديد في تاريخ طويل من إدارة الأزمات؟
د. ابراهيم العرب