العيد الذي لا ينتهي

بقلم اللواء حسن شقير

المدير العام للامن العام

العيد الحقيقي لأي مؤسسة رسمية، عسكرية كانت أم أمنية أم مدنية، لا يكمن فقط في مناسبة تستعاد فيها المحطات وتُستحضر فيها الإنجازات، بل في أن تكون المناسبة لحظة تجديد للعزم، ومحطة إضافية على طريق التحديث والتطور الدائم. فالمؤسسة التي تؤمن برسالتها لا تحتفل بما أنجزته فحسب، وإنما تجعل من كل إنجاز نقطة انطلاق نحو إنجاز آخر، ومن كل نجاح حافزاً لرفع مستوى الأداء والمسؤولية. ذلك أن التطور ضرورة تفرضها التحولات المتسارعة في العالم، وحاجة وطنية تزداد إلحاحاً كلما تعقدت التحديات وتبدلت طبيعة المخاطر وحاجات المجتمع.

من هذا المنطلق، اخترنا في المديرية العامة للأمن العام أن يكون التطوير نهجاً ثابتاً ومساراً لا رجوع عنه، وأن تكون مواكبة العصر ممارسة فعلية تستكمل المعرفة النظرية. نحن نتطور بشرياً، لأن الإنسان يبقى أساس المؤسسة وطاقتها الأولى، ونستثمر في التدريب والتأهيل وصقل المهارات، لأن المعرفة لا تكتمل إلا حين تتحوّل إلى قدرة على الفعل. ونتطور تقنياً، لأن الأمن في عالم اليوم بات علماً متقدماً، تتغير أدواته وأساليبه بسرعة، ولا يمكن للمؤسسة أن تحمي المجتمع بكفاية ما لم تكن قادرة على فهم المستجدات واستخدامها وتطويعها في خدمة مهماتها. ونتطور حجراً، لأن تحديث المراكز والمنشآت هو تعبير عن احترام الإنسان، وعن صورة المؤسسة التي ينبغي أن تعكس هيبة الدولة وحداثتها وحسن إدارتها.

لذلك، لا نكتفي في الأمن العام بالاطلاع على كل جديد، بل نسعى إلى التدريب عليه، واستخدامه، واقتنائه، حين تقتضي الحاجة، لأن الفارق بين مؤسسة تراقب التطور ومؤسسة تصنعه هو في القدرة على تحويل المعرفة إلى ممارسة، والتكنولوجيا إلى أداة، والخبرة إلى أداء مؤسسي متقدم. وقد وضعنا لهذا المسار رؤية متكاملة للإنهاض على المستويات كافة، لأننا نؤمن بأن بناء المؤسسة هو جزء لا يتجزأ من بناء الدولة.

إن المواطن اللبناني يستحق مؤسسات تليق به، بثقافته ووعيه وتاريخه ودوره الحضاري والإنساني. والمقيم على أرض لبنان يستحق، بدوره، أن يرى الوجه المشرق لهذا الوطن، وأن يلمس في مؤسساته صورة لبنان القادر على أن يكون دولة حديثة، محترمة، فاعلة، وحاضنة للإنسان. ومن هنا، فإن كل خطوة تطوير ننجزها، وكل مشروع نضعه موضع التنفيذ، وكل نجاح نحققه، لا نراه إنجازاً خاصاً بالمديرية العامة للأمن العام، بل مساهمة عملية في مسار إعادة إعمار لبنان وإعادة إنهاضه، لأن إعادة بناء الوطن تبدأ أيضاً من إعادة بناء الثقة بمؤسساته، ومن قدرة هذه المؤسسات على إثبات حضورها بالكفاية والعمل والإنجاز.

ولا خيار لنا اليوم إلا أن نواصل العمل، وأن ننجز أكثر، وأن نبحث دائماً عن الأفضل. فهذا هو العيد الحقيقي؛ عيد لا ينتهي بانتهاء المناسبة، بل يستمر ويتجدد مع كل نجاح، ومع كل فكرة خلّاقة، ومع كل عمل مبدع يزيح شيئاً من غبار الحروب والأزمات والمآسي عن وجه لبنان، ليعود تدريجاً إلى صورته الحقيقية؛ لبنان الحضارة والثقافة والفكر والإبداع، لبنان الذي لا ينبغي أن تختصره أزماته، ولا أن تحجب إمكاناته سنوات المحن.

نحن أبناء لبنان، وفخرنا وعزنا وشرفنا أن نخدمه ونصون مؤسساته ونحمي مسيرته. وصون الوطن لا يكون بالعاطفة وحدها، مهما كانت صادقة، بل بالعقل والعلم والإرادة والانضباط والعمل المتواصل. علينا أن نجتهد في النهوض به، لأن لبنان لنا، ولأنه يستحق منا أن نعطيه أفضل ما لدينا، ولأن ما نبنيه اليوم سيحدد صورة لبنان في الغد. وسيبقى عيدنا الحقيقي أن نتقدم، وأن ننجز، وأن نفتح كل يوم نافذة جديدة على المستقبل، حتى يستعيد وطننا وجهه الذي يليق به، وتستعيد الدولة مكانتها التي يستحقها أبناؤها.

اللواء حسن شقير