الكهرباء في لبنان الحكاية التي تنتهي فصولها بخدمات المولدات الخاصة وبيضون “للشرق” الأمور على حالها وأزمة التقنين امتداد لمشكلة مزمنة والهيئة الناظمة لم تتكمن من إحداث أي خرق فعلي في واقع القطاع

كتبت ريتا شمعون
شكلت الحرب الدائرة فصلاً رئيسيا من فصول أزمة الكهرباء في لبنان، حيث تسببت في نقص حاد في التغذية، جراء ارتفاع أسعار الوقود، وتدمير أجزاء من شبكات التوزيع.
هذا الواقع فاقم معاناة المواطنين، إذ بات تأمين التيار الكهربائي يتطلب دمجا مكلفا بين تغذية ” مؤسسة كهرباء لبنان” المتذبذبة، والاعتماد على مولدات الأحياء، والطاقة الشمسية، فكان الرابح الحقيقي والدائم ” موتير الحي” المتحكم الأساسي بقطاع الطاقة حيث يعتمد عليه المواطن اللبناني بشكل كامل لتأمين التيار مهما بلغت تسعيرة الكيلوواط.
لكن لم تبتدىء أزمة الكهرباء مع الحرب، بل هي امتداد لمشكلة مزمنة تعود الى عقود سابقة حيث عانى القطاع تاريخيا من الإدارة السيئة، والهدر المالي والفساد، والعجز عن انتاج طاقة تغطي الطلب المحلي بالكامل.
بالرغم من أنه كان من المفترض أن ترتفع ساعات التغذية الى ما بين 8 و10 ساعات بناء على وعود وزير الطاقة جو الصدّي بتحسين التغذية إلا ان الواقع أن التغذية بالكاد تصل الى ساعتين كل 10 ساعات في أغلب المناطق اللبنانية، وبحسب الظروف الراهنة فإن لا شيء يشي بإمكانية تحسن الوضع .
وأيضا وبعد أقل من عام على تشكيلها استقالت الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، واعتبر أحد الأعضاء المتفرغين مستقيلا حكما بسبب عدم التحاقه بالعمل، مما اثار موجة من الإحباط وخيبة الأمل لدى اللبنانيين، حيث تمّ تسويق الهيئة الناظمة للكهرباء ” كمنقذ” وإنجاز تاريخي لإخراج قطاع الطاقة من أزمته، إلا انها سرعان ما تعثرت واصطدمت بالواقع.
ويبدو ان إدارة وزارة الطاقة تعاني من عجز هيكلي متجذر واستمرار لسياسات المحاصصة السابقة، فتغيير الأشخاص لا يجدي نفعا دون إصلاح جذري وفق المدير العام السابق للاستثمار في وزارة الطاقة والمياه والخبير لدى المعهد اللبناني لدراسات السوق الدكتور غسان بيضون.
بيضون وفي حديث خاص لجريدة ” الشرق” يقول، رغم تعاقب وزراء مختلفين، مثل الوزير السابق وليد فياض والوزير الحالي جو الصدي الذي أعلن عن مشاريع وخطط إصلاحية، لا تزال المشكلات الأساسية مستمرة، وأسباب التقنين تكاد تكون نفسها وتتكرر ، وتتلخص الأزمة في عدة محاور:
نقص التمويل والاعتمادات، أو التاخر المستمر في فتح الاعتمادات المالية المخصصة لشراء الفيول اللازم لتشغيل معامل الإنتاج، نتيجة الفساد الذي يتجلى بوضوح في الهدر الفني والتجاري الذي يتجاوز 50%بسبب التعديات على الشبكة.
التأخر في تفريغ بواخر الفيول يعد أحد الأسباب الرئيسية والأساسية لأزمة تقنين الكهرباء في لبنان، وقد تتسبب مشكلات التأخير سواء بسبب فتح الاعتمادات المالية، أو الإجراءات الروتينية، في نفاد مخزون المحروقات في المعامل الرئيسية مما تضطر مؤسسة كهرباء لبنان الى تخفيض الإنتاج أي ” تقنين قاس”.
البنية التحتية المتهالكة، فضلا عن شبكات النقل والتوزيع قديمة جدا مما يؤدي الى هدر كبير في الطاقة.
عجز مؤسسة كهرباء لبنان ووزارة الطاقة عن الرقابة والجباية، وتفاقم هذا العجز بسبب الفساد والتعديات المستمرة على الشبكة العامة، وتراكم الهدر الفني وغير الفني.
عقود التشغيل ( مقدمي الخدمات) التي تثقل كاهل المؤسسة والدولة وقد ساهمت بشكل مباشر في تفاقم العجز المالي نظرا لارتفاع تكلفتها التشغيلية مقارنة بحجم الإنتاج وجودة الخدمات المقدمة للمواطن، مما يعني أن جزءاً كبيراً من تكلفة التشغيل يضيع سدى دون تحقيق إيرادات مالية، لافتا الى ان كهرباء لبنان تعاني من أزمة مالية خانقة.
وقال بيضون، إن تغيير إدارة وزارة الطاقة في لبنان وتطبيق الإصلاحات الهيكلية هما الحلّ، وإنقاذ القطاع يتطلب التخلي عن السياسات السابقة المعتمدة على الخطط المرتجلة والتحول نحو مسار مؤسساتي وعملي واضح، وقد تعاقبت قوى سياسية مختلفة على إدارة قطاع الطاقة، تاركة اللبنانيين ضحايا لشبكة معقدة من التقنين القاسي.
أما الهيئة الناظمة للقطاع، بعد طول انتظار أقر مجلس الوزراء تعيين أعضاء الهيئة الناظمة لإصلاح القطاع غير انه بعد مرور أقل من عام على تشكيلها دخلت في أزمة فراغ وشلل، لم تتمكن من إحداث أي خرق فعلي في واقع القطاع المتعثر، إذ بقيت أزمة الكهرباء على حالها.
وأكد بيضون، أن الحاجة للكهرباء في لبنان تزداد خلال فصل الصيف مقارنة بالشتاء وذلك بسبب ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، مما يؤدي الى زيادة استهلاك الطاقة لتشغيل ” أجهزة التكييف والمراوح والثلاجات لحفظ الأغذية والأدوية، مبديا أسفه، للتقنين القاسي إذ تعتمد شبكة الدولة على انتاج يتراوح غالبا بين ساعتين الى 4 ساعات يوميا في أحسن الأحوال مما يدفع المواطنين للبحث عن مصادر بديلة ( المولدات الخاصة، الطاقة الشمسية).
وعن قرار مجلس الوزراء بوضع ملف استئجار بواخر توليد الطاقة تحت مجهر التدقيق الجنائي، تساءل بيضون، عن خلفية التوجه نحو إجراء تدقيق جنائي في تلزيمات قديمة وافق عليها مجلس الوزراء وانتفى وجود أثر للوقائع والمستندات التي بني عليها صرف الفواتير والمستحقات للبواخر والمحروقات؟
ويطرح بيضون ، تساؤلات عدة ليس لها إجابة جاهزة:
ماذا لو جرى التدقيق والتحقيق بخلفية الإصرار على اعتبار الكثير من قرارات مجلس الإدارة مصدقة حكما منذ أكثر من عشر سنوات بحجة انقضاء مهلة التصديق؟ وماذا عن قانونية هذا التصديق والأسباب التي تتيحه؟
ولماذا يستمر استيراد المحروقات للمؤسسة من قبل وزارة الطاقة دون عرضها على رقابة ديوان المحاسبة، واعتماد نفس الآلية التي ما زالت تؤدي الى وصول شحنات مشبوهة وبمستندات مشكوك بصحتها وبحقيقة مصدر هذه الشحنات؟
ماذا عن نتائج التحقيق بالأخبار التي انتشرت حول ” اختلاس كابلات نحاس” عن طريق استبدالها بمعدن آخر؟
وهل تمسك المؤسسة محاسبة مواد وتجري عمليات الجرد المفترض اجراؤها عملا بالنصوص القانونية والأصول النظامية؟
وماذا عن علاقة كهرباء لبنان المالية والإدارية بشركة القاديشا وسلامتها؟
لماذا لم يتم تنفيذ المرسوم الاشتراعي رقم 79\ 1977 القاضي بدمج منشآت النفط بالمديرية العامة للنفط؟
وختم بيضون قائلاً: هذه التساؤلات تكفي لفهم أسباب استمرار أزمة الكهرباء في ظل تردّي أوضاع كهرباء لبنان والفوضى التي نعيشها والعجز التي تعانيه، والتقنين القاسي في ظل واقع يعيش فيه البلد تحت تهديد الوصول الى العتمة الشاملة.