انتخابات الكنيست: معادلة الهروب إلى لبنان؟

بقلم ابراهيم ريحان

«أساس ميديا»

لا تبدو الانتخابات الإسرائيليّة المقرّرة في 27 تشرين الأوّل مجرّد استحقاق لتحديد هويّة الحكومة المقبلة. فمعركة تأمين الأغلبيّة البرلمانيّة، التي تتطلّب 61 مقعداً من أصل 120، تجري على وقع احتمالات استئناف الحرب مع إيران، وتسريبات عن خطط عسكريّة أميركيّة جديدة، وتهديدات إسرائيليّة بتوسيع العمليّات في لبنان. وبين حسابات الصناديق وخيارات الحرب، يبرز سؤال أساسيّ: هل يدفع القلق الانتخابيّ بنيامين نتنياهو إلى التصعيد أم كلفة مواجهة جديدة ستفرض عليه التريّث؟

معادلة الـ61: أغلبيّة معلّقة

لا تمنح استطلاعات الرأي معسكر نتنياهو ضمانة واضحة لتشكيل حكومة مستقرّة، فيما تواجه المعارضة صعوبة في جمع أغلبيّة متماسكة على الرغم من تقاطعها على إسقاطه. لا يتعلّق التحدّي بعدد المقاعد وحده، بل بقدرة الأحزاب على تجاوز خلافاتها وتشكيل ائتلاف قادر على الاستمرار.

هنا يبرز اسم رئيس الأركان الإسرائيليّ الأسبق غادي آيزنكوت، ضمن محاولات اختيار بديل لنتنياهو، إلى جانب نفتالي بينيت ويائير لابيد وأفيغدور ليبرمان. لكنّ تقدّم أيّ مرشّح في استطلاعات الرأي لا يساوي امتلاك أغلبيّة برلمانيّة، كما أنّ التقاء خصوم نتنياهو تحت عنوان واحد لا يعني اتّفاقهم على برنامج أمنيّ وسياسيّ موحّد.

في المقابل، يحتاج نتنياهو إلى الحفاظ على شركائه من اليمين القوميّ والدينيّ، من دون خسارة هامش المناورة مع واشنطن أو تحمّل كلفة حرب جديدة. وهنا تتقاطع الحسابات الانتخابيّة مع التطوّرات الإقليميّة: إذ إنّ إظهار الحزم الأمنيّ قد يخدمه سياسيّاً، لكنّ مواجهة طويلة أو مكلفة قد ترتدّ عليه انتخابيّاً.

واشنطن وطهران: خطط الحرب حاضرة

نُشرت تقارير أميركيّة خلال الأسبوع الماضي تسلطَ الضوء على خطط عسكريّة أعدّها البنتاغون لاحتمال استئناف العمليّات ضدّ إيران، تشمل منشآت للطاقة ومواقع نوويّة. وتحدّثت التقارير عن احتمال استخدام قنبلة “أمّ القنابل” (MOAB)، وعن خيارات تتّصل بمنشأة جبل الفأس، مع التشكيك في قدرة هذه القنبلة على بلوغ أهداف شديدة التحصين تحت الأرض.

موقف ترامب: دعم حاسم وتحذير ضمني

دخل دونالد ترامب على خط الانتخابات بشكل مباشر عبر منشور على “تروث سوشال”، ليتجاوز مواقفه السابقة التي اتسمت بالغموض والتساؤل حول قدرة نتنياهو على الاستمرار. أعلن ترامب دعمه المطلق لنتنياهو واصفاً إياه بـ”المحارب الذي لن يخذل الناخبين”، وجزم بأن “أي شخص آخر غير بيبي هو القائد الخاطئ”. ولم يقتصر كلامه على التأييد السياسي، بل ربط إعادة انتخاب نتنياهو مباشرة بالحسم ضد إيران، محذراً من أن اختيار غيره قد يدفع واشنطن إلى التصرف بمفردها أو تغيير مقاربتهما الأمنية المشتركة.

لبنان في قلب الحسابات

لا تقف الجبهة اللبنانيّة خارج هذه المعادلة. إذ هدّد وزير الدفاع الإسرائيليّ يسرائيل كاتس يوم الأربعاء الماضي بتوسيع المنطقة الأمنيّة في جنوب لبنان، كما لوّح بإخلاء الضاحية الجنوبيّة لبيروت وتهجير مليون شيعيّ حتّى خطّ نهر “الأوّلي” إذا انضمّ “الحزب” إلى مواجهة جديدة بين إسرائيل وإيران.

تدلّ هذه التهديدات على أنّ إسرائيل ستربط الجبهة اللبنانيّة بأيّ تصعيد إقليميّ في حال تدخّل “الحزب”، وإبقاء الضغط العسكريّ وسيلة لتغيير الوقائع الميدانيّة. وقد يستفيد نتنياهو انتخابيّاً من إظهار الحزم تجاه “الحزب”، خصوصاً في ظلّ حساسيّة أمن شمال إسرائيل، حيث الثّقل الانتخابيّ لليمينيّين مع ناخبي مستوطنات الضّفّة الغربيّة.

تبقى المسألة الأساسيّة أنّ لبنان قد يتحمّل كلفة التصعيد حتّى من دون أن يكون صاحب القرار في توقيته، إذا تحوّلت أراضيه إلى امتداد للمواجهة بين إسرائيل وإيران.

السّيناريوهات الأربعة للانتخابات

يفرض المشهد الضبابيّ لاستطلاعات الرأي الإسرائيليّة التوقّف عند 4 سيناريوهات تختلف في تأثيرها على الواقع الميدانيّ والسّياسيّ مع لبنان:

1- الهروب إلى التصعيد الكبير: إذا تراجعت فرص نتنياهو في تأمين الأغلبيّة، فقد يحاول إعادة الأمن إلى صدارة الحملة عبر تصعيد عسكريّ في لبنان، أو المشاركة في مواجهة جديدة مع إيران إذا قرّرت واشنطن استئناف الضربات. وهذا السيناريو قد يفسح المجال أمام نتنياهو لتأجيل الانتخابات لـ60 يوماً تحت عنوان “الطوارئ” ومحاولة تحسين الأرقام الانتخابيّة عبر توسيع المنطقة الأمنيّة في جنوب لبنان انطلاقاً ممّا قاله وزير دفاعه.

2- حكومة تغيير بقيادة آيزنكوت: قد ينجح آيزنكوت في تشكيل حكومة بديلة إذا استطاع جمع خصوم نتنياهو حول أغلبيّة برلمانيّة قابلة للاستمرار. لكنّ تغيير رئيس الحكومة لا يعني بالضرورة تغيير العقيدة الأمنيّة الإسرائيليّة. فخلفيّته العسكريّة لا توحي بتخلّيه تلقائيّاً عن استخدام القوّة ضدّ “الحزب”، خصوصاً أنّ آيزنكوت هو صاحب “عقيدة الضاحية” التي اعتمدتها إسرائيل في حربَيها في 2024 و2026. وقد يكون الاختلاف في إدارة العلاقة مع واشنطن، وفي الموازنة بين العمليّات العسكريّة والوساطات، لا في التخلّي عن المطالب الأمنيّة الإسرائيليّة.

3- صمود معسكر نتنياهو واستمرار ائتلاف اليمين: إذا نال نتنياهو 61 مقعداً، فسيحصل على فرصة جديدة للحكم، مع استمرار الضغوط التي يفرضها شركاؤه اليمينيّون لتوسيع مناطق السيطرة في لبنان وغزّة والضفّة الغربيّة وجنوب سوريا. وقد يعني ذلك مواصلة سياسة الضغط العسكريّ على لبنان والإبقاء على الخيار العسكريّ تجاه إيران.

4- الشّلل السياسيّ والائتلاف المعقّد: إذا عجز المعسكران عن تأمين الأغلبيّة، فقد تدخل إسرائيل مرحلة مفاوضات معقّدة لتشكيل حكومة “وحدة وتناوب بين نتنياهو وآيزنكوت” أو تتّجه إلى انتخابات جديدة. غير أنّ الانسداد السياسيّ لا يعني توقّف العمليّات العسكريّة. فقد تستمرّ الضربات والتهديدات في لبنان، فيما تصبح القرارات الاستراتيجيّة والتسويات الطويلة الأمد أكثر صعوبة. وإذا تجدّدت الحرب مع إيران خلال هذه المرحلة، فقد تجد إسرائيل نفسها أمام تصعيد إقليميّ في ظلّ غياب استقرار سياسيّ واضح.

الانتخابات لا تحسم وحدها قرار الحرب

تتقاطع الانتخابات الإسرائيليّة مع استعدادات عسكريّة أميركيّة ومخاوف إيرانيّة وتهديدات متزايدة للبنان، لكن لا ينبغي اختزال هذه التطوّرات في فرضيّة أنّ نتنياهو سيشنّ حرباً لإنقاذ مستقبله السياسيّ. إذ إنّ الحرب قد تمنحه مكسباً انتخابيّاً إذا بدت سريعة وناجحة ومضمونة الحسمِ، لكنّها قد تتحوّل إلى عبء إذا اتّسعت وخرجت عن السيطرة.

معركة الـ61 مقعداً هي معركة تشكيل الحكومة داخل إسرائيل، وأمّا الاختبار الإقليميّ فيتعلّق بمن يحدّد توقيت المواجهة وسقفها. وبين واشنطن وطهران وتل أبيب، يبقى لبنان معرّضاً لتحمّل كلفة قرارات لا يملك وحده التحكّم بها.

ابراهيم ريحان