بركات: الأسواق تتلقف ايجاباً إقرار القانون المصرفي ونتائج القمة واتفاق الاطار

كتبت ريتا شمعون

يمرّ الاقتصاد اللبناني بمرحلة استقرار هش وانكماش حاد، نتيجة التدمير والآثار المباشرة للحروب المتراكمة والنزاعات الإقليمية، وعلى الرغم من تلك التداعيات السلبية، يتابع لبنان الرسمي المسار الدبلوماسي بحزم باعتباره الخيار الأساسي المتاح في مواجهة التحديات المصيرية، ويقرّ مجلس النواب تعديلات قانون اصلاح المصارف، الذي يرى فيه البعض خطوة نحو إعادة الثقة الائتمانية مستقبلاً، ماذا يقول الدكتور مروان بركات كبير الاقتصاديين ورئيس قسم الأبحاث في بنك عودة، ” للشرق”.

بركات يوضح في حديث خاص، أن الأسواق اللبنانية  تلفقت ايجاباً إقرار قانون الاصلاح المصرفي ونتائج القمة الرئاسية اللبنانية الاميركية وإنجاز اتفاق الاطار، كما يظهر في عدد من المؤشرات التي ظهرت تباعاً خلال الشهرين الفائتين.

 

وأضاف، فقد شهدت أسواق اليوروبوند بشكل خاص ارتفاع ملحوظ هذا الأسبوع مع إقرار القوانين التشريعية في مجلس النواب. ويأتي ذلك في أعقاب إنجاز”قانون إصلاح المصارف” من قبل الهيئة العامة لمجلس النواب. فقد ساهم هذا التطور النوعي في تحسن عامل الثقة وتحفيز الطلب على الاوراق اللبنانية من قِبل المستثمرين المؤسساتيين الأجانب خلال الأسابيع القليلة الماضية، لا سيما وأن التقدم في هذا المشروع يشكل ركيزة أساسية لإطلاق خطة إعادة هيكلة الدين العام ومحطة رئيسية لتأمين الدعم المالي المرجو من صندوق النقد الدولي. وفي هذا السياق، ارتفعت أسعار سندات الدين الحكومية من 25 سنتاً للدولار في نهاية الشهر الماضي إلى 30 سنتاً للدولار هذا الأسبوع، علماً ان احجام التداول كانت متواضعة في ظل عطلة قسط من المستثمرين خلال الصيف. عليه، تكون سندات اليوروبوندز اللبنانية قد سجلت زيادة صافية في الأسعار بنسبة تقارب 21% منذ بداية العام الحالي، حيث كان يتم تداولها عند حوالي 23 سنتاً للدولار.

 

أما العامل السوقي الإيجابي الآخر يقول بركات،  هو ارتفاع أسعار الذهب من جديد وتأثيره على احتياطيات مصرف لبنان. فمع ارتفاع أسعار الذهب عالمياً بنسبة 10% خلال فترة الشهر المنصرم، حيث قفز سعر الأونصة من 3976 دولار منتصف تموز 2026 إلى 4396 دولار اليوم، فإنه من المقدّر أن ترتفع احتياطيات مصرف لبنان من الذهب من 37153 مليون دولار منتصف تموز 2026 إلى أعتاب الـ40 مليار دولار مجدداً. ويعزى هذا الارتفاع في أسعار الذهب عالمياً إلى تراجع التوقعات بشأن رفع سعر الفائدة من قبل البنك الاحتياطي الفيدرالي، حيث ساهم تقرير التضخم الأمريكي لشهر تموز في تخفيف الضغوط المفروضة على مجلس الاحتياطي الفيدرالي لرفع أسعار الفائدة. في الواقع، بلغ التضخم الأساسي في أميركا (CORE INFLATION)، والذي يستثني تكاليف الغذاء والطاقة، معدل سنوي بلغ 2.5% في تموز 2026، مسجلاً أبطأ وتيرة له منذ آذار 2021. وقد أدت هذه البيانات الإيجابية إلى خفض التوقعات السوق بشأن رفع أسعار الفائدة في كانون الأول إلى 83%، وبدّدت تماماً التوقعات بشأن أي زيادة ثانية في أسعار الفائدة خلال العام 2027

 

ويؤكد بركات، أن الأسواق كانت قد تلقفت ايجاباً اتفاق الإطار الذي أقر مؤخراً والذي حمل بدوره انعكاسات إيجابية نسبياً على الاقتصاد اللبناني بعد أشهر من الانكماش منذ بداية الحرب. فقد ترافق اتفاق الاطار مع تعززٍ في الطلب على الليرة اللبنانية في سوق القطع أتاح لمصرف لبنان زيادة احتياطاته بالعملات الأجنبية منذ بداية شهر حزيران وذلك بعد أشهر من التراجعات الصافية.  كما أن فائدة الإنتربانك على الليرة انخفضت من 38% في شهر أيار إلى 15% في شهر تموز. ناهيك عن تزايد القادمين في مطار بيروت بنسبة 37% بين أيار وحزيران وبنسبة 72% بين حزيران وتموز، وقد ترافق ذلك مع رفع الحظر من الإمارات العربية المتحدة عن زائريها إلى لبنان، إضافة الى رفع حظر المملكة العربية السعودية عن الصادرات اللبنانية. الا انه رغم التحسن في حركة القادمين عبر المطار تباعاً منذ حزيران الا انهم ما زالوا اقل من ما شهدناه الصيف الفائت بنسبة 15%. مشيرا الى ان بعض مؤسسات القطاع الخاص في لبنان تفائلت عقب انجاز اتفاق الاطار بالنسبة للأفاق الأمنية للبلاد وانعكاسها على مناخ الأعمال فعادت إلى الانفاق الاستثماري ولو بشكل خجول بانتظار انقشاع أفضل للرؤية على مستوى المخاطر الأمنية بشكل عام.

 

ويرى بركات، ان القمة الامريكية اللبنانية التي جمعت الرئيس الامريكي دونالد ترامب والرئيس اللبناني جوزيف عون والتي فاقت التوقعات تحمل في طياتها تداعيات اقتصادية مهمة للبنان. فهي تمهد الطريق للحصول على مساعدات أكانت من الولايات المتحدة مباشرة أو من غيرها للبنان الذي سجل تراجع لافت في الأموال الوافدة إليه هذا العام من تحويل المغتربين إلى الاستثمارات الخارجية المباشرة إلى النفقات السياحية وإلى الصادرات. فهذه المكونات المختلفة للأموال الوافدة شهدت كلها انخفاضات صافية نتيجة الحرب ما أدى إلى تحقيق عجوزات فعلية في ميزان المدفوعات في الأشهر التي تلت اندلاع الحرب.

ويلفت بركات، الى ان الهدية الأمريكية الرمزية التي نتجت عن اللقاء لا تقل أهمية وهي الإعلان عن استئناف الرحلات المباشرة بين لبنان والولايات المتحدة. فهذه الخطوة تشكل خط وصل مهم بين ما يفوق عن مليون لبناني مقيم في الولايات المتحدة ووطنهم الأم لبنان مع ما يحمل ذلك من تداعيات اقتصادية إيجابية على كلا البلدين. إضافة إلى ذلك، فإن القمة شكلت دعماً للجيش اللبناني والقوات الشرعية اللبنانية التي تبقى الضمان الأساسي لعامل الاستقرار في لبنان والذي بدوره الحافز الأساسي أمام الاستثمار الخاص مع ما يحمله من أثار مضاعفة على النمو الاقتصادي بشكل عام. فأي تقدم بمسألة حصرية السلاح والسيطرة السيادية الكاملة على قرار الحرب والسلم ضمن مؤسسات الدولة يساهم في احتواء المخاطر الأمنية التي تبقى المكون الأساسي لعلاوات المخاطر في رادار المستثمرين.

هذا ونظراً للفوارق الملحوظة بين السيناريوهات المرتقبة للنصف الثاني من العام 2026 والعام 2027 القادم، يظلّ اللبنانيون اليوم يأملون أن تضع هذه الحرب أوزارها نهائياً في أقرب وقت ممكن، وأن يتمّ التوصّل إلى تسوية مستدامة تحول دون تجدّد الأعمال العسكرية، وأن يتحلّى المسؤولون السياسيون بروح من المسؤولية والتوافق يستطيع الوطن أن يبني عليها، وأن يبادر صانعو القرار إلى إطلاق برنامج إصلاحي طموح، باعتباره شرطاً أساسياً لإعادة لبنان إلى مسار التعافي الاقتصادي المنشود.