حديث الجمعة _ الْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ

المهندس بسام برغوت

“ الحق أحق أن يُتَّبع”، حكمة خالدة من أعظم القيم التي قامت عليها الشرائع السماوية والمبادئ الإنسانية، لتحقيق العدل وانتظام حياة الأفراد والمجتمعات، ودعا الإسلام إلى التمسك بالحق والسير في طريقه مهما كانت التحديات والعقبات، لأن الحق هو الطريق الذي يقود إلى الخير والفلاح في الدنيا والآخرة. وعلى الإنسان أن يلتزم الحق ويؤيده ويعمل به، حتى لو خالف هواه أو مصالحه الشخصية.

إن الحق هو ما يوافق العدل والصدق والصواب، وهو نقيض الباطل الذي يقوم على الظلم والكذب والانحراف. وقد جعل الله تعالى الحق صفة من صفاته وأساسًا من أسس رسالته إلى البشر، فقال تعالى: “ وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا “(سورة الإسراء).

وللحق مكانة عظيمة في الإسلام، فقد أمر الله تعالى عباده بالالتزام به في أقوالهم وأفعالهم، وعدم كتمانه أو التهاون فيه. فقال سبحانه: “ ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون “ (سورة البقرة). فالمؤمن الصادق لا يخلط بين الحق والباطل، بل يسعى دائمًا إلى إظهار الحقيقة والدفاع عنها، مهما كانت الظروف.

ومن أعظم صور اتباع الحق أن يعترف الإنسان بخطئه إذا تبين له الصواب. فكثير من الناس يعرفون الحق ولكن تمنعهم الكبرياء أو المصالح الشخصية من اتباعه. أما أصحاب النفوس السليمة فإنهم يرجعون إلى الحق متى ظهر لهم، لأن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الخطأ. وكان السلف الصالح يعتبرون الاعتراف بالخطأ فضيلة وشجاعة، لأن الغاية هي الوصول إلى الحق وليس الانتصار للنفس.

كما أن اتباع الحق يحتاج إلى قوة إيمان وثبات في المواقف الصعبة. فكثيرًا ما يتعرض الإنسان لضغوط تدفعه إلى السكوت عن الحق أو مجاملة الباطل، لكنه إذا تذكر أن الله مطلع على أعماله وأن العاقبة للمتقين، ثبت على موقفه ولم يتراجع. وقد ضرب الأنبياء عليهم السلام أروع الأمثلة في الثبات على الحق، فقد تحملوا الأذى والتكذيب والمشقة في سبيل نشر الدعوة وإقامة العدل.

ومن النماذج المشرقة في التاريخ الإسلامي موقف النبي صلى الله عليه وسلم عندما دعا قومه إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام. فقد واجه معارضة شديدة من قريش، وعُرضت عليه المغريات الكثيرة ليترك دعوته، لكنه رفض كل ذلك وتمسك بالحق الذي أوحى الله به إليه. فكان مثالًا خالدًا لكل من يريد أن يسير في طريق الحق مهما كانت التحديات.

وللحق أثر كبير في بناء المجتمعات واستقرارها، فالمجتمع الذي يسوده الحق والعدل ينعم بالأمن والطمأنينة والتعاون بين أفراده. أما إذا انتشر الظلم والكذب والباطل، فإن الفوضى والنزاعات تنتشر فيه، وتضيع الحقوق وتتفكك الروابط الاجتماعية. لذلك فإن إقامة الحق مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الجميع، أفرادًا ومؤسسات.

ويظهر اتباع الحق أيضًا في التعاملات اليومية بين الناس، مثل الصدق في الحديث، والأمانة في العمل، والعدل في الحكم، والوفاء بالعهود. فالإنسان الذي يلتزم الحق في حياته يكسب احترام الآخرين وثقتهم، ويكون قدوة حسنة لمن حوله..

ومن الأمور المهمة أن الحق لا يُعرف بكثرة أتباعه أو شهرة القائلين به، بل يُعرف بالدليل والبرهان. فقد يكون الحق مع شخص واحد في مواجهة جماعة كبيرة، وقد يكون الباطل منتشرًا بين الناس فترة من الزمن، لكن ذلك لا يجعله حقًا. ولهذا ينبغي للإنسان أن يبحث عن الحقيقة بعقله وقلبه، وأن يتحرى الصواب قبل أن يتخذ موقفًا أو يصدر حكمًا.

كما أن من مقتضيات اتباع الحق احترام آراء الآخرين والاستماع إليهم، لأن الحوار الهادئ القائم على الأدلة يساعد على الوصول إلى الحقيقة. أما التعصب للرأي ورفض الاستماع للآخرين فإنه يحجب الإنسان عن رؤية الحق ويجعله أسيرًا لأفكاره ومعتقداته دون تمحيص أو مراجعة.

وقد حث الإسلام على نصرة الحق والوقوف إلى جانب المظلومين، لأن السكوت عن الظلم نوع من المشاركة فيه. فالمؤمن مطالب بأن يدافع عن الحقوق المشروعة وأن يسعى إلى تحقيق العدالة بين الناس، كل بحسب قدرته ومكانته.

إن الحق يحتاج إلى صبر ومثابرة، لأن طريقه ليس دائمًا سهلًا. فقد يتعرض الإنسان للأذى أو الخسارة بسبب تمسكه بالحق، لكنه في النهاية ينال رضا الله واحترام الناس. والتاريخ مليء بالأمثلة التي تؤكد أن الحق ينتصر في النهاية مهما طال الزمن، وأن الباطل إلى زوال مهما بدا قويًا أو راسخًا.

ولذلك يجب على الآباء والمربين أن يغرسوا في نفوس الأبناء حب الحق والتمسك به منذ الصغر، من خلال التربية الحسنة والقدوة الصالحة. فالأجيال التي تنشأ على احترام الحق والعدل تكون أكثر قدرة على بناء أوطان قوية ومجتمعات متماسكة تقوم على القيم النبيلة والأخلاق الفاضلة.

ختاماً ،

فإن مقولة “الحق أحق أن يُتَّبع” ليست مجرد كلمات تُقال، بل هي منهج حياة يدعو إلى الصدق والعدل والإنصاف. فالحق هو النور الذي يهدي الإنسان إلى الطريق المستقيم، وهو الأساس الذي تُبنى عليه الحضارات وتستقر به المجتمعات. ومن تمسك بالحق ونصره وعمل به، نال الخير في دنياه وآخرته، وكان من الذين يسعون إلى نشر العدل والخير بين الناس. لذلك ينبغي لكل إنسان أن يجعل الحق ميزانه في القول والعمل، وأن يقدمه على الأهواء والمصالح، لأن الحق يبقى حقًا مهما اختلفت الآراء وتبدلت الظروف، ولأن الحق أحق أن يُتَّبع.

المهندس بسام برغوت