بقلم نديم قطيش
يُصوّر خامنئي الابن رحيل والده كأنه استمرار بطولي للمسيرة الحسينية، لكنه في الحقيقة لا يفعل أكثر من استدعاء كتيب قواعد سياسية عمره 1400 عام، جرى تمديد صلاحيته لزمن لم يعد زمانه.
ففي عصر تتضاعف فيه الفجوات وتختل موازين القوة، لا يقدم “النموذج الحسيني” سوى القدرة على مد الأيديولوجيا بأسباب الحياة، عاجزاً عن تحقيق الرخاء للمجتمع أو تقديم نصر حاسم للعقيدة. يؤكد هذه الحقيقة، مسار إيران الحالي، القائم على إدارة الأزمات عبر إبتذال السردية الاستشهادية.
فالأفكار إما أن تتطور أو تندثر، وهذه السردية تبدي كل علامات الأفول ونفاد الصلاحية.
لقد نجحت قصة وقوف الإمام الحسين في كربلاء (680م) في خلق هوية شيعية متمايزة، رفدتها طقوس راسخة وسرديات مقاومة لا تنطفئ. كان هذا النموذج فعالاً في سياقه التاريخي، إذ حافظ على رؤية إسلامية بديلة وسط الصراعات المبكرة على الخلافة، وألهم ثورات لاحقة، وحمى تقاليد أقلية مذهبية لقرون.
مع ذلك، استمرت الدولة الأموية لنحو سبعين عاماً أخرى قبل أن تسهم الاحتجاجات الأوسع في سقوطها. وفي ذلك العالم الأبطأ والأقل ترابطاً، كان بإمكان التحدي غير المتكافئ والتضحية الرمزية لأقلية ما أن تقوض شرعية السلطة المضادة عبر الأجيال. أما اليوم، فلم يعد الأمر كذلك.
فتصوير موت القائد كاستشهاد على طراز كربلاء، هو لغو عقائدي قد يحشد القاعدة الشعبية ويبرر “المقاومة”، لكن النظر إلى نتائجه يكشف واقعاً مغايراً:
- فجوات هائلة في القوة: دارت معارك القرن السابع بين جيوش قبلية وشرعيات محلية. أما اليوم، فتواجه إيران جيوشاً متطورة، وعقوبات دولية، وعزلاً مالياً، وتفوقاً سيبرانياً واستخباراتياً، وضربات دقيقة. تبرز الحرب الأخيرة هذه الفجوة بوضوح فاضح. فالصواريخ والوكلاء يتيحون لايران المشاغبة والمضايقة، من دون توفير التكافؤ الردعي.
- انتحار اقتصادي ذاتي: أسفر “اقتصاد المقاومة” (المستند إلى أولوية التحدي، وعسكرة المقدرات، والالتفاف على العقوبات) عن تضخم جامح تجاوز 65%، وانهيار تاريخي للريال (تخطى 1.9 مليون مقابل الدولار)، وفقر مستشرٍ، ونقص حاد في الغذاء والطاقة، وانكماش اقتصادي؛ حيث ضاعفت أضرار الحرب عقوداً من سوء الإدارة والفساد. والإيرانيون العاديون هم من يدفع الثمن: فاللحوم والأغذية الأساسية باتت ترفاً، وهجرة الشباب في تصاعد، والاحتجاجات الدموية تتجدد بانتظام.
- فشل في الحوكمة إدارة الدولة: تحتاج دولة حديثة يقطنها أكثر من 90 مليون نسمة إلى الكفاءة المؤسساتية لا إلى التعبئة المستمرة. يبرع النموذج الحسيني في تعزيز الصمود الهش والتحكم بالسردية، لكنه ينتج ركوداً: ثراء للنخبة مقابل شقاء عام، ونزيف للعقول، واعتماد مفرط على أدوات القمع. ويأتي صعود مجتبى خامنئي للخلافة بعد والده ليستكمل السيناريو نفسه: نواح، وجنازات، ودموع، ووعود بالانتقام، في حين يستمر الاقتصاد في السقوط الحر نحو الهاوية.
لقد صاغت كربلاء الهوية الشيعية في مرحلة التكوين. لكن إعتماد النهج الكربلائي اليوم كاستراتيجية دولة يخاطر بتحويل الكربلائية إلى فخ قاتل: فهي توفر تماسك داخلي قصير المدى، ثمنه استنزاف حيوية الدولة والبلد على المدى الطويل.
لقد واجه الأمويون فجوات أصغر واقتصاداً أبسط. أما نسخة إيران المعاصرة فتصطدم بضغوط معولمة تعاقب العزلة بفاعلية أشد. قد تظل التضحية الحسينية ملهمة للنواة الصلبة للنظام، لكنها لم تعد تحقق انتصارات حضارية، بل باتت مجرد أداة لإبقاء نظام محاصر على قيد الحياة وسط مسيرة التراجع والأفول.
نديم قطيش