دماء ودولارات ودموع.. ثيرانوس أو قصة واحدة من أكبر فضائح وادي السيليكون

«بإنشاء شركتها للتحليل الطبي «ثيرانوس» أصبحت إليزابيث هولمز أصغر مليارديرة في العالم، لكن نجاحها لم يكن ليتحقق لولا الأكاذيب والتلاعب»..  هكذا مهدت دومينيك نورا – موفدة مجلة لوبس الفرنسية إلى وادي السيليكون- لتقرير ألقت فيه الضوء على ما سمته «عملية احتيال غير عادية» لم تسلم منها حتى بعض الشخصيات الأميركية المرموقة.

ورغم أن الولايات المتحدة ما فتئت تشهد فضائح مالية مدوية مثل إفلاس بنك ليمان براذرز أو إفلاس شركة الطاقة العملاقة «إنرون» أو حتى عملية احتيال مادوف الشهيرة، لا تصل في غرابتها حد قصة صعود وسقوط ثيرانوس ومؤسِّستها إليزابيث هولمز، فما حدث، وفقاً لموفدة المجلة الفرنسية، يمكن وصفه بملحمة رومانسية، جمعت بين الكاريزما الساحرة لرائدة الأعمال المذكورة وشهرة الشخصيات الأميركية التي أغوتها، مثل وزيري الخارجية السابقين هنري كيسنجر وجورج شولتز وقطب الإعلام روبرت مردوخ، ناهيك عن وزير الدفاع السابق جيمس ماتيس.

وتابعت موفدة المجلة قائلة «لا توجد حالة أخرى مثيلة لهذه الحالة تعرض فيها هذا العدد من الناس للخداع ولفترة طويلة، وتم التلاعب فيها بصحة الآلاف من الناس».

أما بداية هذه القصة الخرافية، كما تصفها المراسلة، فكانت عام 2003 عندما تخلت طالبة نموذجية، تخصصت بسنتها الأولى في الهندسة الكيميائية بجامعة ستانفورد المرموقة، عن دراستها لإنشاء شركتها الناشئة.

كانت هولمز في سن 19، وقد قوبلت في وادي السيليكون بتقدير من الجميع، ومن أشهر من أعجبوا بها مؤسس شركة فيسبوك مارك زوكربيرغ، ومؤسس «أوراكل» لاري إليسون، ومؤسس «مايكروسفت» بيل غيتس وكذلك مؤسس «آبل» ستيف جوبز وغيرهم كثيرون.

وتعتمد المراسلة في تقريرها على تحقيق صحافي ورد بهيئة كتاب استقصائي تحت عنوان «الدم الفاسد» لمؤلفه الكاتب الصحافي الفرنسي – الأميركي جون كاريرو الذي كان أول من كشف فضيحة ثيرانوس.

يقول كاريرو، وهو كذلك صحافي بصحيفة وول ستريت جورنال إن هولمز كانت دائماً مغرورة بعبقريتها، إذ رسمت وهي فتاة تبلغ من العمر 7 سنوات آلة للتنقل عبر الزمن، وفي التاسعة بدأت تقول إنها تريد أن تصبح مليارديرة.

وخلال إقامة عائلتها لبضع سنوات في وودسايد بوادي السيليكون، أصبحت هولمز صديقة لابنة الممول تيم دريبر، وهو صاحب رأسمال مغامر اشتهر باستثماره في تسلا وسكايب وبايدو وتويتر، وتلك صداقة ستكون حاسمة في وقت لاحق، وفقاً للكاتبة.

وفي سنتها الثانية بجامعة ستانفورد، تصورت الطالبة الطموحة فكرة لاصق طبي تشخيصي، وسجلت براءة اختراع لذلك، وبتشجيع من أستاذتها تشانينغ روبرتسون، وهي عالمة معروفة بقسم الهندسة، أسست هولمز ما أطلقت عليه اسم «ثيرانوس» وهي كلمة تجمع بين بداية كلمة (Therapy) وتعني العلاج ونهاية كلمة (Diagnosis) وتعني التشخيص.

وأرادت هولمز لهذا الجهاز أن يكون معملاً صغيراً مضغوطاً، يجعل من الممكن بمجرد استخدام بضع قطرات من الدم المسحوب من طرف الإصبع إجراء مئات التحليلات الطبية، وهو ما يُعد ثورة تضمن السرعة وتساعد في عدم اللجوء للجراحة، فضلاً عن كونها غير مكلفة وتجنب المريض المزمن الاستغناء عن دوام التعرض لوخز الإبر، إذ يمكن للجميع، من خلال هذا الجهاز، اكتشاف علامات أي حالة خطيرة قد يتعرض لها بشكل وقائي.

وبعدما لاحظت هولمز عدم تحمس أساتذة جامعة ستانفورد لفكرتها، عرضتها على رجل الأعمال دريبر، الذي وافق فوراً على مشروع صديقة ابنته، فاستثمرت شركته 500 ألف دولار بالمؤسسة الناشئة (ثيرانوس) لتتوالى بعد ذلك التمويلات من شركات كبيرة.

وقد استطاعت هذه المؤسسة الناشئة جمع 1.4 مليار دولار من أفراد وعائلات وصناديق الأسهم الخاصة، لتبلغ قيمة ثيرانوس عام 2014 حوالى 9.5 مليارات دولار، ما جعل هولمز أول مليارديرة عصامية في وادي السيليكون، وأصغر مليارديرة في العالم، بثروة محتملة تبلغ 4 مليارات دولار، وفقاً للتقرير.

ولجذب المستثمرين والشركاء، تقول موفدة لوبس إن هولمز استخدمت كل كليشيهات وادي السيليكون من قبيل: الانبهار بـ «الاضطراب» والمكانة المرموقة يتبوأها من «يفكرون بشكل مختلف» وإقناع الآخرين بأن التكنولوجيا يمكن أن «تجعل العالم مكاناً أفضل»… إلخ.

وحسب المراسلة، فإن من عينتهم هولمز في مجالها العلمي لم يكونوا معروفين، وكان إشرافهم صورياً، ورغم أنها وظفت مهندسين ممتازين، فإنها لم تتركهم يؤدون عملهم بالشكل الصحيح، إذ لم تكن لتقبل بأي حل وسط بشأن «رؤيتها» فلم تكن لتسمح بأخذ أكثر من قطرات قليلة من الدم، كما أصرت على ألا يتجاوز حجم مختبرها الصغير، الذي أطلقت عليه اسم إديسون، حجم الحاسوب المكتبي وهو ما حال دون إنجازه.

ويلخص الصحافي كاريرو ما دأبت عليه هذه المستثمرة من خداع قائلاً «أرادت هولمز أن تصبح غنية ومشهورة، ولم تدع شيئاً يقف في طريقها، وفي مواجهة فشل تقنيتها، غاصت أكثر فأكثر في الكذب وتنظيم عروض توضيحية وهمية أو ترويج لاختراعها بالكذب، كقولها إن جهازها أجيز من طرف جامعة جونز هوبكنز، ووكالة الأدوية الأميركية (FDA) وشركات الأدوية الكبيرة، حتى إنها ادعت أن أجهزتها انتشرت في ساحات القتال بأفغانستان، وهذا هراء».

ما لا يعرفه الجميع -وفقاً لمراسلة المجلة الفرنسية- أنه نظراً لعدم عمل إديسون، فإن معظم التحليلات يتم إجراؤها على أجهزة مشتراة من منافسين.

وقد اكتشف الباحثون أن نتائج فحوص ثيرانوس كانت مختلفة بشكل كبير مع نتائج فحوص مختبرات معروفة، بل إنها لم تكن حتى متسقة مع بعضها حتى لو أجريت في حيز زمني متقارب، ما أدى إلى اعتقاد مرضى بالخطأ أنهم مصابون بالسكري أو السرطان واعتقاد آخرين أنهم ليسوا كذلك رغم أنهم مصابون فعلًا.

ولم يتوقف هذا التزوير إلا بعدما كشف الصحافي كاريرو ذلك، الأمر الذي دفع وزارة العدل الأميركية ومنظمي الصحة وسوق الأوراق المالية في البلاد لإجراء تحقيق معمق في هذه المسألة.

وفي تموز 2016، أغلقت وكالة الصحة الفدرالية مختبر ثيرانوس، معتبرة أنه يمثل «خطراً مباشراً على صحة وسلامة المرضى» وتم إبطال حوالى مليون تحليل أجريت من خلاله قبل أن تتم تصفية الشركة أخيراً عام 2018.

وقد أحيلت هولمز للمحاكم الأميركية في كانون الثاني الماضي، ووجهت لها تهم في 4 قضايا من أصل 11. وإذا رفض القاضي طلبها بإجراء محاكمة جديدة استجابة لطلب قدمته في 6 أيلول الحالي، فإن النطق بالحكم عليها سيكون قبل نهاية هذا الشهر، ونظرياً تواجه هذه المرأة الحكم عليها بأكثر من 20 عاماً من السجن.

التعليقات (0)
إضافة تعليق